التاريخ مرآة الشعوب, ويكفي أن ينظر أي شعب إلى تراثه، والذي يقوم بدور المرآة, ليرى ذاته الحقيقية. والتاريخ الخاص بالأمة العربية التي تحولت بفعل الزمن إلى شعوب، تعكس لنا مرآته حقيقة أن العرب لا يصلحون للدولة ولا الدولة تصلح لهم؛ لسبب بسيط وهو أن تاريخهم يخلو من الفكر الذي يؤسس للدولة، ذلك أن مصطلح الدولة مصطلح حديث نسبياً, ظهر في الفكر الغربي على أنقاض النظام الإقطاعي, والتراث الكنسي الكاثوليكي. فمفهوم الدولة اخترعه الفكر الغربي ليفسر كيفية نشأة مؤسسة الدولة اعتماداً على الذات الإنسانية العقلانية بعيداً عن الدين, مستمداً من تراثه اليوناني العريق والثري، فكراً سياسياً أسس هذا "الاختراع". خلافاً لكل ذلك جاءت الدولة للعرب منحة من المستعمر الغربي الذي جعل من قبائل متنافرة ومجتمعات استبدادية، أن أصبحت في حالة تجمّع, لا اجتماع, في كيان جغرافي اسمه "الدولة", محدداً لها الحدود الجغرافية, ومعلماً لرؤساء القبائل فيها كيفية الحكم الصالح لهذه الشعوب. وحيث أن الطبع يغلب التطبع, عادت هذه الشعوب وارتدت إلى روح القبيلة والطائفة والعلائق الشخصانية في الحكم, فكانت النتيجة قيام هيكل الدولة, وليس الدولة ذاتها. وبتعبير واضح حصلت الدولة العربية الحديثة على درجة الرسوب بامتياز. وتدل الشواهد التاريخية على أن الشعوب العربية أبعد ما تكون عن مفهوم الدولة, حيث تلاشت دولة المؤسسات والقانون لتحل محلها دولة الطوائف والقبائل والحزب الواحد. الشعب الفلسطيني الذي أخذ يقتل بعضه بعضاً لأسباب دينية وسياسية, يبيّن لنا هذه الحقيقة التاريخية, ولن يحصل الفلسطينيون على دولة إلاّ إذا منحتهم إياها الولايات المتحدة الأميركية, وحتى بعد إقامة هذه الدولة, سيكرر التاريخ نفسه, وستقوم دولة الحزب الواحد, ولعل وضع الفلسطينيين أكثر سوءاً من بقية العرب, لأن الحزب الذي سيتحكم فيهم, حزب ديني... يعني كما يقول المثل الشعبي "موت وخراب ديار". وحيث أن وضعهم اليوم لا يتيح أي مجال للعقل والعقلانية والتعامل السياسي بعد قيام "دولة غزة الإسلامية", فقل سلاماً على الدولة الفلسطينية التي ينتظرها العرب حتى يتخلصوا من الهمّ الفلسطيني الذي أخذ مساحة أكبر من حجمه, وإن كانت قضية الفلسطينيين, قد أتاحت للعرب المجال لتضييع الوقت في اللعب السياسي بلا عقلانية. وما ينطبق على العرب في مسألة الدولة, ينطبق بدوره على الفلسطينيين, أليسوا عرباً؟ الفلسطينيون دون الشعوب العربية كافة, لم يفهموا إلى الآن أهمية الدولة ككيان جغرافي حافظ للشعب, حتى وإن كان كياناً هزيلاً وخاوياً, كما هو الحال مع بقية الدول العربية. هذا الكيان يوفر الهوية للإنسان الفلسطيني, يمكنه من التنقل والتعامل مع الآخر من دون عقدة نقص, وليعلم العرب ومعهم الفلسطينيون أن صفقة الدولة الفلسطينية لا تتضمن القدس, شاء العرب أم أبوا, وأنه لا دولة بدون جلوس الجميع من عرب وإسرائيليين على طاولة المفاوضات وجهاً لوجه, لحل جميع الإشكالات العالقة, مع الحذف الكامل لمسألة عودة فلسطينيي عام 1948 إلى فلسطين, والرضا بالتعويض المالي. لكن سيرفض العرب ذلك وبالتالي لن تقوم الدولة الفلسطينية المرتقبة. وبذلك يكرر التاريخ نفسه في صورة شعب لا يصلح للدولة.