جرت الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية، يوم الأحد الماضي، الثاني والعشرين من أبريل الجاري، وقد شهدت إقبالاً كبيراً من قبل الناخبين، تجاوزت نسبته 80 في المئة، وهو رقم كبير بكل المقاييس، ويعكس الاهتمام الفرنسي الفائق بهذه الانتخابات تحديداً. وفي هذه الجولة، حصل المرشح الرئاسي اليميني نيكولا ساركوزي، ومنافسته الاشتراكية سيجولين رويال، على نسبة 31 و 25 في المئة على التوالي. وكلاهما في العقد الخامس من عمره، وهما معاً يمثلان جيلاً جديداً من الساسة الفرنسيين. ووفقاً للقانون الفرنسي، فمن المقرر إجراء الجولة الثانية من الانتخابات يوم السادس من مايو المقبل، ما يلزم كلا المرشحين بتكريس جهوده للوصول إلى مركز الثقل الانتخابي في الجولة الثانية، وهي المعركة الحاسمة في هذا السباق الانتخابي المحموم. وبالنسبة لساركوزي، فإن عليه أن يقلل من نبرته الحادة وصرامته التنظيمية القانونية، إلى جانب السعي إلى الحصول على أصوات الناخبين اليمينيين المتشددين، والتي كان قد حصل عليها اليميني المتطرف جان ماري لوبن في الجولة الأولى. وإلى ذلك فإن على منافسته المرشحة الاشتراكية سيجولين رويال، أن تبرهن للناخبين أنها أهلٌ لمنصب الرئاسة ومسؤوليته الجمة، وأن في وسعها وضع سياسات واقعية وقادرة على إخراج فرنسا من مأزقها الاقتصادي الحالي. وقد تسعى رويال إلى عقد صفقة مع مرشح "لوسط"، فرانسوا بايرو الذي احتل المركز الثالث في الجولة الانتخابية الأولى. وتظل في مقدمة القضايا الرئيسية التي تواجه الرئيس الفرنسي المقبل: وضع الاقتصاد الفرنسي، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب مشكلات فرنسا المعقدة مع العالم الإسلامي. وفيما يتعلق بمشكلات الاقتصاد الفرنسي، فإنه لم يكن للعولمة نصيب البتة على التراب الفرنسي. وبالنتيجة فقد ظلت فرنسا أبعد ما تكون عن التنافسية في السوق العالمية، بفعل تشبثها المستمر بقوانين العمل القديمة البالية، وهي القوانين التي تمنعها عملياً من فصل أي من العاملين، إلى جانب استمرار الدعم الحكومي لكثير من السلع والمنتجات، خاصة المنتجات الزراعية، مع حماية مزارعيها ضد أي تنافس من قبل منتجات مزارعي الدول الزراعية الأخرى، وبخاصة المنتجات الأفريقية. هذا وقد تعهد ساركوزي من ناحيته، بتخليص فرنسا من القيود والعقبات التي تقف أمام تقدمها الاقتصادي، وذلك بتشجيع التنافس والدفع بعجلة الاستثمار، في ذات الوقت الذي يواصل فيه تشدده في القضايا ذات الصلة بالقوانين وحفظ الأمن والنظام. وهو يريد لفرنسا أن "تعمل بجد وعلى مدى أطول" كما يقول. وأعرب ساركوزي أثناء حملته الانتخابية، عن رغبة أكيدة في تحسين علاقات بلاده بالولايات المتحدة الأميركية، وبدا أكثر خلافاً في مواقفه من المستقلين أو مؤيدي جاك شيراك في عدائه المعروف لواشنطن. أما منافسته رويال، فقد عولت كثيراً على سياسات بلادها الخارجية، وجاءت تعليقاتها على حرب العراق، في غاية السلبية خلال جولتها الانتخابية الأولى. على أنه يبقى من غير المرجح أن تتبنى رويال موقفاً عدائياً متشدداً إزاء الولايات المتحدة الأميركية، خلال جولتها الانتخابية الثانية، طالما أن غالبية الفرنسيين، يرغبون في تحسن علاقاتهم الأطلسية مع أميركا. وربما كانت القضية الأكثر تعقيداً التي تبرز أمام كلا المرشحين، هي دور فرنسا المستقبلي في الاتحاد الأوروبي. ورغم ما كان لفرنسا من دور رائد وقيادي في مشروع الوحدة الأوروبية، فإن حماسها لمواصلة هذا الدور قد خمد إثر ما حدث من توسع وترهل في جسد الاتحاد، وعلى إثر انضمام الكثير من دول أوروبا الشرقية إليه. وما رفض الناخبين الفرنسيين لمشروع دستور الاتحاد الأوروبي الجديد، في مايو من عام 2005، سوى تعبير عن عمق الشكوك التي تساور الفرنسيين إزاء المدى الذي يتعين عليهم إبداؤه من التنازل عن سيادة بلادهم لصالح الوحدة الأوروبية ورمزها السياسي في بروكسل. يذكر أن شكوكاً شبيهة قد حامت في سماء كل من بريطانيا وهولندا. وفيما لو فاز ساركوزي بالمنصب الرئاسي في شهر مايو المقبل، فإن المتوقع منه تسجيل زيارة مبكرة إلى واشنطن، بغية توطيد علاقاته مع كل من إدارة بوش والكونجرس الحالي، فضلاً عن فعل الشيء نفسه مع المرشحين الرئاسيين "الديمقراطيين" المحتملين. ومما لاشك فيه أن توطيد العلاقات الأميركية- الفرنسية ستكون له نتائج إيجابية على تعاون البلدين في عدة قضايا شرق أوسطية، لاسيما في ملفي إيران ولبنان. أما في حال فوز رويال، فإنها ستكون أمام اختبار عصيب، وسيكون عليها أن تقنع نظراءها في كل من أوروبا وواشنطن، بأن لها من بُعد النظر والبأس والعزم، ما يكفي لحل معضلات السياسة الخارجية الرئيسية في بلادها، خاصة فيما يتصل بعلاقات بلادها مع العالم الإسلامي. وقد أعربت رويال عن تأييدها لانضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، على النقيض من ساركوزي الذي يبدي تشدداً لا يلين في رفضه لذلك المسعى التركي. على أن هذه اللحظة الفرنسية الحاسمة، هي في الوقت ذاته لحظة تاريخية مهمة بالنسبة للقارة الأوروبية بأسرها. ذلك أنه سرعان ما سيعقب انتخاب رئيس فرنسي جديد، انتخاب رئيس وزراء جديد أيضاً في بريطانيا. فالمتوقع أن يستقيل توني بلير من منصبه في وقت ما خلال فصل الربيع الحالي، بينما يتوقع أن يخلفه في ذلك المنصب وزير خزانته، جوردون براون. وتوافق هذه التغييرات في قيادة اثنتين من كبريات الدول الأوروبية، وقتاً تمر فيه إدارة بوش بمحنة سياسية داخلية عصيبة، بسبب سياساتها في العراق. وبما أن لكل من واشنطن وباريس مصالح مشتركة واضحة للغاية في منطقة الشرق الأوسط، فإنه ليس متوقعاً لفوز أي من المرشحين الرئاسيين، ساركوزي أو رويال، أن يحدث فارقاً نوعياً في نمط التعاون الفرنسي- الأميركي القائم الآن بين البلدين في مجال السياسات الشرق أوسطية، لاسيما تعاونهما في لبنان. وينطبق الأمر نفسه على الحالة الإيرانية، بل ربما كان تعاونهما فيه بدرجة أكبر. وعليه، فهل يبدي الرئيس الفرنسي إصراراً أشد على أن يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات أكثر تشدداً على طهران، وهو ما تأمله واشنطن، أم تكون طهران مصدر توتر أطلسي جديد؟ وحتى لا نستبق الأحداث، فإن من المفترض أن يقدم لنا صيف العام الحالي، إجابة واضحة عن هذه الأسئلة.