خلال 31 عاماً، هي مدة رئاسة الجنرال السابق "سوهارتو" لبلاده إندونيسيا، يزعم أنه اختلس مبلغاًَ من الأموال العامة، تتراوح قيمته بين ما يعادل 15-35 ملياراً من الدولارات. وخلال مدة الخمس سنوات، التي تولى فيها الديكتاتور النيجيري "ساني أباشا"، قيادة بلاده، يزعم أيضاً أنه نهب من الخزانة العامة، مبلغاً تتراوح قيمته ما بين 2 إلى 5 مليارات دولار. وهكذا تطول قائمة القادة الطغاة الفاسدين. غير أن بعض الخطوات المهمة في قطع الطريق أمام فساد أمثال هؤلاء القادة، قد تحققت بالفعل. كما لوحظ أن المقاومة الشعبية لفساد القادة، قد تصاعدت في الآونة الأخيرة. وفي حين لا تزال الرشوة موجودة في الكثير من المجتمعات، إلا أن الطغاة بدؤوا يواجهون صعوبات كبيرة في ممارسة الفساد العلني الواسع النطاق. فقد كانت غضبة الجماهير من فساد الحكام، أحد العوامل الرئيسية وراء إسقاط الحكومة الأوكرانية خلال هذا العام، وقبلها الحكومة الجورجية في العام الماضي. وفي وقت مبكر من شهر مارس الجاري، اعترفت شركة "تيتان كورب" – مقرها بسان دييجو- بالاتهامات الموجهة إليها، والتزمت بسداد مبلغ 28.5 مليون دولار، لتسوية ما نسب إليها من التستر على "دفعياتها" المالية في ست دول مختلفة. وكانت تلك العقوبة المالية، الأشد والأقسى من نوعها على الإطلاق، التي أقرها القانون الأميركي لعام 1977، جزاءً لأكبر رشوة أجنبية تدفعها إحدى الشركات الأميركية.
ويعود هذا التحول الملحوظ في السلوك المالي، سواء كان على صعيد الحكومات أم المؤسسات والشركات، إلى بداية عقد التسعينيات، نتيجة لعدة عوامل من بينها نهاية الحرب الباردة، وسن قوانين وتشريعات جديدة في عدد من البلدان حول العالم. وقد أسهمت "منظمة الشفافية الدولية" وهي منظمة غير ربحية، بدرجة كبيرة في عملية الإصلاح هذه. ويجدر بالذكر أن المنظمة تعاير الدول وتحدد مكانتها من الترتيب الدولي، كلاً حسب حجم الفساد الممارس فيها، وأنها نشرت آخر التقارير عن دراساتها ومسوحها في يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي.
وبالرجوع إلى عقد التسعينيات، كان المسؤولون الأميركيون يدركون ما إذا كان رئيس دولة ما، يتقاضى الرشاوى عن العقود والصفقات التي يبرمها مع الدول والمؤسسات، وما إذا كان يهرّب ما لديه من أموال إلى البنوك السويسرية، أو غيرها من مؤسسات المال العالمية الأخرى. وفي تلك الأثناء، لم تكن لتنتهي بعد، سلوكيات الحرب الباردة، الخاصة بالتعامل والتساهل مع أي قائد أو زعيم عدو للشيوعية، سواء كان مستقيما أم خلاف ذلك، طالما أنه عدو للشيوعية. وكانت الحكومات الغربية ومنظمات ومؤسسات العون الأجنبي، تقبل ممارسات الفساد الشائعة الانتشار في الدول النامية الفقيرة، وتتعامل معها كما لو كانت حقيقة من حقائق الحياة فيها. بل كانت الحكومات الغربية والمنظمات، لا تنظر إلى ظاهرة الفساد على أنها تشكل عائقاً رئيسياً للتنمية في تلك البلدان. وضمن ذلك علق "فرانك فوجل" وهو صحفي بريطاني سابق ومسؤول بالبنك الدولي وأحد مؤسسي "منظمة الشفافية الدولية" بقوله: في تلك السنوات، كان لا يذكر الفساد، إلا بصوت خفيض مهموس، كي لا يغضب الحديث العلني عنه "الأصدقاء". ولكن ها قد مضت تلك الممارسات الآن، بعد أن نشرت المنظمة قائمة مفاهيمها عن الفساد في عام 1995. وكما سبق القول، فقد شرعت المنظمة في معايرة الدول وتقييمها، حسب درجة الفساد المتفشي فيها. أما المعيار المطبق في قياس نسبة الفساد في دولة ما، فيحدد بنزاهة القائمين على الاستثمار والنشاط الاقتصادي، ومدى التزامهم بعدم جواز "إساءة استخدام السلطة والنفوذ، من أجل تحقيق المكاسب والمنافع الخاصة" في الدولة المعنية. يذكر أيضاً أن الدول التي احتلت أسفل قائمة المنظمة، لم تتأثر سمعتها في الأداء المالي سلباً فحسب، وإنما تأثرت أيضاً بتقلص تدفق الاستثمارات الأجنبية إليها في الوقت ذاته. وبذلك فإنه يمكن القول، إن قائمة "الشفافية الدولية" هذه، تحولت عملياً إلى ما يشبه الديناميت أو اللغم السياسي.
ويجدر بالذكر أيضاً أن تقرير المنظمة الأخير للعام الماضي 2004، الذي نشر يوم الأربعاء الماضي، يضم 146 دولة أدرجت فيه بالترتيب حسب المعيار المشار إليه آنفاً. وفي التقرير، نظر إلى فنلندا، باعتبارها الدولة الأدنى فساداً في القائمة. أما الدول الست التي تلتها بالترتيب فهي، نيوزيلندا، الدانمارك، آيسلندا، سنغافورة، السويد، ثم سويسرا. يشار إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، احتلت المرتبة السابعة عشرة في ترتيب الدول الأعلى شفافية. أما أسفل القائمة، حيث تبدأ بالأسوأ على الإطلاق، فقد جاء ترتيب الدول كالآتي: هاييتي، بنجلاديش، نيجيريا، بورما (ماينمار)، تشاد، البراجواي، أذربيجان، تركمانستان، وأخيراً طاجيكستان.
وقد جاء هذا التقرير الأخير، شديد التأثير والفاعلية في رفعه للوعي العام بظاهرة الفساد على النطاق العالمي بأسره، على حد قول "فوجل"، الذي يعمل مستشاراً للشفافية الآن في واشنطن. وبموجب الفقرات المؤلفة لوثيقة الم