هيمنت الحرب على معظم التاريخ البشري، فخلال الفترة بين عامي 1500 و1945، قلّما مرت سنة بدون قتال قوة عظمى مع قوة عظمى أخرى. لكن في عام 1945 توقف كل ذلك، فانخفض عدد وفيات الحروب إلى أدنى مستوى له في التاريخ. وشهد العالم أكبر انخفاض للفقر، وأعظم انتشار للديمقراطية والحرية.
فلماذا حدث ذلك؟ لقد حدث لأن الولايات المتحدة قررت تزعّم مجموعة من الأمم لإنشاء نظام عالمي جديد. نظام كان يتألف من مؤسسات مثل «الناتو» والأمم المتحدة والبنك الدولي. لكنه حدث أيضاً بسبب حضور القوة الأميركية في كل المجالات، العسكرية والاقتصادية والثقافية، فضل عن قوة الفكرة الديمقراطية الجاذبة.
ولكن لأن الولايات المتحدة جُرت إلى حربين عالميتين، شعر الزعماء الأميركيون، من ترومان إلى أوباما، بأنه لا خيار لديهم سوى توسيع دائرة اهتمام أميركا عبر العالم. وكان ذلك شيئاً غير طبيعي. فمثلما يكتب روبرت كاجان في كتابه «الغابة تنمو من جديد»، فإن «دولا قليلة جداً في التاريخ شعرت بالمسؤولية عن آخرين غير نفسها».
وعموماً، يفترض أن يكون هذا التاريخ مصدر فخر لكل الأميركيين، لكنه ليس كذلك. فمؤخراً، أجرى «مركز التقدم الأميركي» مسحاً للآراء حول السياسة الخارجية الأميركية، وسأل مجموعة من الباحثين حول ما تعنيه بالنسبة لهم عبارة «الحفاظ على النظام الدولي الليبرالي»، لكن كل المشاركين في مجموعة البحث أخفقوا في تقديم إجابة ما عدا واحداً.
والواقع أن هذا بحد ذاته ليس مشكلة، فالنظام الليبرالي أنشأته نخبٌ سياسة خارجية، من جورج مارشال إلى مادلين أولبرايت. لكن المشكلة هي أن الناخبين باتوا معادين فعلياً للمشروع. وبدلا من توسيع دائرة الاهتمام، يريد معظم الأميركيين من بلادهم أن تهتم بنفسها فقط.
وفي مسح «مركز التقدم الأميركي» كانت أولى الأولويات بالنسبة للأميركيين هي الحماية من التهديدات الإرهابية، وحماية وظائف العمال الأميركيين، وتقليص الهجرة غير القانونية.. وكلها تطلعات سلبية: أي منع أشياء سيئة من جهات خارجية معادية.
أما الأولويات الأدنى، فتمثلت في الترويج للديمقراطية، والتصدي للصيني، والترويج للتجارة، ومحاربة الفقر العالمي، والدفاع عن حقوق الإنسان. وهكذا فأقل شيء يهتم به الأميركيون هو بناء مجموعة عالمية متحضرة.
بعد حرب العراق والإخفاقات الأخرى، تعب الأميركيون وملّوا من دور الزعامة العالمية، وفقد كثير منهم الثقة في دور الزعامة الذي تضطلع به بلادهم، وباتوا يقولون: لدينا كثير من المشاكل هنا في أميركا.
لكن جزءاً كبيراً من ذلك التحول كان سببه حقيقة أن الكثير من الأميركيين فقدوا الثقة في الطبيعة البشرية والإمكانية البشرية.
وهناك نوعان من الناخبين ذوي منسوب الثقة المنخفض. فعلى اليمين، هناك الفريق الترامبي المؤمن بمقولة «أميركا أولا»، والذي يريد تقليص الهجرة وكسر التحالفات. وعلى اليسار، هناك «الحمائم الجدد»، وهم شباب يعبّرون عن اهتمام كبير بحقوق الإنسان، لكن نظراً لأنهم نشأوا في عهد حرب العراق، فهم لا يريدون أن تتورط الولايات المتحدة في مسؤوليات خارجية.
وقد ينظر كل من أنصار فكرة «أميركا أولا» و«الحمائم الجدد» إلى أنفسهم كفريقين متضادين، لكنهم جميعا ينتهون إلى المكان نفسه: أميركا لا ينبغي أن تكون في الخارج للحفاظ على النظام العالمي الليبرالي.
ويقدر «مركز التقدم الأميركي» أن أقل من خمس الناخبين يؤيدون التعاون بين الدول، بينما تشير تقديرات «مجموعة أوراسيا» إلى أن النسبة هي 9.5? فقط.
وفي المحصلة، أخذت أميركا تنسحب من العالم، والنتائج ظاهرة للعيان. فالصين تواصل ممارساتها في هونج كونج، وروسيا تشن هجمات سيبرانية في كل مكان، وإيران تزعزع استقرار الشرق الأوسط.. وهكذا، أخذ عصر التنافس بين القوى الكبرى يعود!
إننا في دوامة قاتمة، فالأميركيون لديهم نظرة متشائمة حول الطبيعة البشرية، وقد أخذوا ينسحبون من العالم، بينما أخد قادة مثل بوتين وشي يسدّون الفراغ، مما يتسبب في مزيد من الانسحاب.
وخلاصة القول هي أننا بحاجة إلى زعيم يستطيع التعاطي مع إخفاقات مثل إخفاقات حرب العراق، وبناء قيادة شابة وذات مصداقية، وتجسيد تفاؤل ينتشلنا من الدوامة القاتمة.


*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
Canonical URL: https://www.nytimes.com/2019/06/13/opinion/foreign-policy-populism.html