بحسب مقال للكاتب «تريتا بارسي» على موقع «ريسبانسيبل ستيت كرافت» Responsible Statecraft بتاريخ 20 من أكتوبر الجاري، وهو المقرب فوق العادة من طهران والحزب «الديمقراطي» الأميركي، أن طهران لن تعيد الانخراط الجاد في مباحثات حول ملفها النووي قبل حصولها على ضمانات أميركية. أول تلك الضمانات انعدام قابلية انسحاب واشنطن المستقبلي من أي اتفاقية يتم التوصل إليها عبر بوابة فيينا، وأن تكون ملزمة للإدارات اللاحقة (أي ما بعد عهدة إدارة بايدن). ثانياً: رفع العقوبات وانعدام قابلية العودة لها (آلية ارتداد الزناد Snapback) مستقبلاً.

وبحسب «تريتا بارسي»، فإن إدارة الرئيس إبراهيم رئيسي في غير ذي وارد انصياعها لإملاءات واشنطن في ظل وجود حليفها القوي (بكين).
واشنطن باتت أكثر وضوحاً بشأن العودة للاتفاق بدعوى تصحيح وضع المسار التفاوضي مع طهران، وكان ذلك جلياً في تصريح جين باسكي، الناطقة الرسمية باسم البيت الأبيض في 21 من أكتوبر الجاري «عندما كانت الولايات المتحدة جزءاً من الاتفاقية النووية، كانت هناك شفافية في مراقبة البرنامج النووي الإيراني، لكن الافتقار إلى تلك الشفافية في ظل الظروف الراهنة يتعارض والمصلحة الوطنية الأميركية»، انتهى الاقتباس.

وللاستدلال أكثر بضرورات التحول في الموقف الأميركي (من وجهة نظر إدارة بايدن)، فإن أولها تحقيق إنجاز خارجي خصوصاً بعد إخفاقها في أفغانستان، وتعثر تمويل مشروع البنى التحتية ذلك، بالإضافة لخروج أسعار المحروقات عن السقف الاستهلاكي المقبول أميركياً وبعد إلغاء إدارة بايدن مشروع كيستون لنقل الطاقة.

وتمثل جملة ما سبق تحديات حقيقية أمام إعادة انتخاب الرئيس أو أن تقرر خروجه من المشهد لتعزيز فرص نائبة الرئيس في الجولة القادمة من الانتخابات الرئاسية عام 2024 أمام المرشح الجمهوري «المحتمل» مايك بومبيو. لذلك شهدت واشنطن خلال الأسبوع الماضي لقاءات عدة لوزراء خارجية شرق أوسطيين، ربما بقصد شرح أهداف الإدارة الأميركية من العودة للاتفاق النووي، مع التأكيد على عدم رفع منظومة العقوبات المفروضة على طهران في الوقت الراهن، أو إلى حين تحقيق اختراق وازن في الملف الإيراني وليس الملف النووي فقط. 

ويبدو أن المسار الذي قررت واشنطن اعتماده لا يتعارض مع مسار إعادة إطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط، بإضافتها آليتي الترغيب (التطبيع) أو الدبلوماسية المغلظة (في حال التمنع عن التطبيع). ويبدو أن إيفاد جون كيري للرياض سيتجاوز ملفات البيئة أو التنسيق حول قمة المناخ في غلاسكو.

ويمثل فشل واشنطن في تحجيم الرياض جيوسياسياً استوجب استدعاء خدمات الوزير العتيد كيري في محاولة لإعادة مسار العلاقات الثنائية لسابق عهدها، وخصوصاً في ملفي الشرق الأوسط وأمن الطاقة، فهل سينجح جون كيري في ذلك المسعى، خصوصاً وأن المواثيق الإبراهيمية قد غيرت تماماً ما كانت ترتكز عليه واشنطن من قدرة في تحديد مستوى التوازنات في المنطقة؟

المباحثات التي تجريها الرياض مع طهران هي ليست بالأمر المستحدث في الدبلوماسية السعودية، ولطالما فضلت الرياض آلية الحوار على سواها في إدارة علاقاتها مع طهران انطلاقاً من مبدأ حسن الجوار، إلا أن ذلك لن يشمل قبولها تحول إيران لقوة نووية عسكرياً، أو الإخلال بالتعهدات التي قُدمت للرياض وأبوظبي وتل أبيب من قبل الدول الكبرى المتفاوضة مع طهران.
فيينا تحضر في الذاكرة عبر موسيقى «الفالس» ليوهان سيباستيان باخ وأسمهان وهي تتغنى بنسيم فيينا، إلا أن السياسة حوّلتها من لوحة فنية بمعمارها وحدائقها إلى محطة سياسية شهدت على مولد وثيقة 2015، والتي أطلقت يد إيران في عموم الشرق الأوسط تدميراً وخراباً. 

* كاتب بحريني