منذ عدة سنوات وتحديدا بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2011، وكثير من الدول الأجنبية والمنظمات العالمية والهيئات الأجنبية ومراكز البحوث بالعالم والمؤتمرات والندوات ووسائل الإعلام المختلفة، المكتوبة منها والمرئي والمسموع، ومنصات التواصل الاجتماعي، تثقف شعوب ومجتمعات العالم كله، وجيشت الأقلام والكتاب والمثقفين والمفكرين والإعلاميين، للمطالبة بتجديد الخطاب الديني في المنطقة العربية بشكل ملح وواضح وصريح ومركز وتحديدا الخطاب الديني الإسلامي، عدى غيره من الأديان الأخرى.
الهدف من هذه المطالب تحصين المجتمعات، ومن ثم العالم من القسوة والعنف والإرهاب والتطرف والتشدد الديني حسب زعمهم وفهمهم كما يدعون ويطلبون، ولكن التركيز ظل وبقي ولازال على منهجية وخطاب وفقه الدين الإسلامي تحديدا فقط لاغير. ومن المفترض أن تكون الدعوة إلى الاعتدال ونبذ العنف موجهة إلى جميع البشر، ذلك لأن التطرف خطر ليس قاصراً على دين بعينه أو مجتمع لوحده.
وتعاني بعض المجتمعات في الغرب من خطر التطرف، خاصة ما يتعلق بجماعات اليمين المتطرف، التي تكرس جهدها في التشجيع على الإقصاء والتحفيز على تهميش الآخر وإقصائه، بشكل واضح وصريح ومكثف، وربما أكثر قسوة وعنفا من تيارات دينية متطرفة. صحيح أن بعض التنظيمات المتطرفة تركز على نصوص الدين الإسلامي، التي يُساء فهمها وتفسيرها، في التحريض على العنف والتطرف، ما قد يؤدي إلى ارتفاع وتيرة الإرهاب، فالخطر يكمن أيضاً في تيارات أخرى في مجتمعات غربية، ينشط فيها متطرفون يطالبون بعدم التعامل مع المسلمين والدعوة للتخلص منهم، وهذا يتناقض مع المعايير الغربية، ويحمل في طياته ممارسات إقصائية تحض على الكراهية المقيتة المتعارضة مع القيم الإنسانية النبيلة.
التجاوزات التي تحدث في المجتمعات الغربية لا يتم تسليط الضوء عليها كثيراً، على عكس ما يحدث في حال كان التطرف داخل المجتمعات العربية والإسلامية. لا نجد في وسائل الإعلام الغربية اهتماماً كبيراًَ بحوادث التطرف في مجتمعات الغرب، خاصة عندما نقارنها بحجم الاهتمام الغربي بحوادث التطرف داخل المجتمعات العربية والإسلامية.
فمتى ترتفع الأصوات في المجتمعات الغربية لتوجيه الإدانة أو المطالبة بمنع لغة العنف والتشدد والتطرف؟! ويتساءل الكثيرون هل هذا الأمر يحصل، لأن وضع المسلمين أصبح ضعيفا أو غير قادرين عن الدفاع عن أنفسهم مثلا؟ أم أن الأمر يتعلق بصورة نمطية جعلتهم في خانة الاتهام ودائرة الشك لأنهم صنفوا والتصقت بهم تهمة القتل والإرهاب والتطرف بسبب الأمور السياسية الطارئة؟
ولماذا لا يتم التركيز على إنجازات المسلمين التاريخية والحضارية والفكرية والثقافية والإنسانية، التي بنت وكونت حضارات ودول ومجتمعات وجامعات وكليات ومعاهد وجمعيات خيرية وهلال أحمر ومساعدات إنسانية لإغاثة الشعوب من الفقر والكوارث؟ وهل الأمر يتعلق بتمييز ديني أو طائفي، وعدم تقدير مبادرات المسلمين المشعة في هذا الكون؟
ولماذا هذه الدول والمنظمات والجهات الأجنبية، لا تشير إلى خطر تفسيرات نصوص دينية أخرى؟ الإسلام الحنيف المعتدل المتسامح حرر المرأة من القتل أيام الجاهلية، وحرر كثير من الفئات المهمشة اجتماعيا وجعل الإنسان حرا طليقا لا فرق بين أبيض وأسود وغني وفقير، ولا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى، وتلك قيم تبني عليها مجتمعاتنا رؤاها للحاضر والمستقبل.
ومحاربة التطرف وإدانة العنف مسؤولية كل المجتمعات والأديان والمذاهب من دون انتقاء أو تمييز من أجل الإنسانية جمعاء. 
*كاتب سعودي