الإثنين 6 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
رباعيات.. عشق لم يكتمل
رباعيات.. عشق لم يكتمل
الخميس 9 أغسطس 2012

للرباعيات قوانينها، خصائصها الشكلية قبل الموضوعاتية، والغريب أنها ذات بنية تجتمع فيها خصيصتان، الأولى يتوافق فيها الصدر والعجز من البيت الأول بقافية واحدة يسمى عند العروضيين بالتصريع، أي أن عدد القوافي تصل إلى “5” وهي نهاية الصدر و4 قوافٍ لنهايات العجز، في الرباعية ويوفر هذا الشرط صيغة عليا من النبر الموسيقي الذي هو من تجليات الرباعية، والخصيصة البنائية الثانية أن تتوافق نهايات الصدور مع نهايات اعجاز الأبيات الأربعة وبذلك تكون لدينا “8” قوافٍ، وهذا البناء يصل بموسيقى الرباعية إلى أعلى درجاتها الإيقاعية. وسبق أن كتب صلاح جاهين رباعياته، وقد أصدر كتاباً بعنوان “رباعيات صلاح جاهين”، وتتصف رباعيات شاهين أنها قد قيلت بالعامية المصرية، وتنتظم فيها كل 4 أبيات من كل رباعية بقالب واحد يحمل “حكاية” تحمل أيضاً فلسفة وآراء الشاعر في إطار من الأسئلة التجريدية المبنية على فعل واقعي ملتبس. وسبق صلاح جاهين، الشاعر الفارسي عمر الخيام الذي كتب في أوائل القرن الثاني عشر في نظام شعري يطلق عليه بـ “الرباعية” والتي تشير إلى قالب من قوالب الشعر الفارسي، والرباعية لدى الخيام مقطوعة شعرية من أربعة أبيات تدور حول موضوع معين وتكون فكرة تامة، وفيها إما أن تتفق قافية البيتين الأول والثاني مع الرابع أو تتفق جميع الأبيات الأربعة في القافية ونظامها: سمعـتُ صوتاً هاتفاً في السحر نــادى مـن ألحــان غُفـاة البشر هبوا املأوا كأس الطلى قبل أن تفعـم كـأسَ العمـر كـفُ الَقَدر *** لا تشغـل البـال بماضـي الزمان ولا بآتــي العيــش قبـل الأوان واغنـــم مـن الحاضـــر لذاتــــه فليـس في طبع الليالي الأمـان وفي هذا البناء اتفاق الأول والثاني مع الرابع، وما نجد سائداً الآن في ساحة الشعر العربي هو توافق الأبيات الأربعة في قوافيها. ويعتبر بعض المؤرخون أن الرباعيات نسبت خطأ للخيام وقد أثبت ذلك المستشرق الروسي زوكوفسكي فرد 82 رباعية إلى أصحابها فلم يبق إلا القليل الذي لم يعرف له صاحب. النظام الرباعي يقوم على أساس بنائي سليم، انتقي بشكل دقيق ويشابه في بنائه بناء الغرفة التي تقوم على 4 جدران بينها زوايا أربعة، وللجدران 8 نهايات، أي أن لكل جدار نهايتين، وهذا يشابه نهايات الصدور المتوافقة مع نهائيات الأعجاز. جدران أربعة ومن هذا النظام المحسوب بدقة تشكلت القصيدة الرباعية التي بنيت على افتراض تماسك الأبيات الأربعة المشابهة للجدران الأربعة والتي لو افترضنا جدلاً أننا رفعنا جداراً منها أي أزلناه لتخلخلت الجدران الثلاثة الأخرى. البيت الأول بداية القصيدة وهو الواحد، والبيت الثاني تعضيد للواحد، والثالث هو إسناد الخيمة، إذ العرب يفضلون هذا النسق الثلاثي في بدايات عصور تكوينهم الشعري الأول عندما كانوا يقطنون الصحراء، حتى انه اصبح نسقا، ولكن حالما انتقلوا إلى الحاضرة والمدن منذ نهاية العصر الاموي استبدلوا هذا النسق “الثلاثي” الشبيه بالخيمة بنسق “رباعي” شبيه بالغرفة المربعة مواءمة مع الحاضرة الجديدة وفن الغناء الذي شاع بين جدران هذا النظام المعماري الجديد، وأعتقد أن ذلك قد تصاعدت وتيرته في بلاد الأندلس تجديداً، لأن شعراء الأندلس هم أول من كسروا النظام العروضي التقليدي “القصيدة العربية الكلاسيكية” إلى نظام شعري جديد قائم على تناسق أبيات قليلة في نظامها العروضي واختزال قوانينه وهو “الموشح”. وأعتقد أن من اقترب منهم في هذا البناء الشكلي هو “البهاء زهير” الذي جاء بالأوزان الخفيفة من الموشح ليقدم لنا قدرته الفنية الراقية باكتشاف أوزان تنساب فيها النغمات العذبة في جوها الموسيقي الحافل بالألحان الشجية، حيث يقول البهاء زهير: لما التحى وتبدلت منه السعود له نحوسا أبديت لما راح يحــلق خده معنى نفيسا وأذعت عنه بأنه لم يقصد القصد الخسيسا لكن غدا وعذاره خضر فساق إليه موسى ولنا في تعليق مصطفى عبدالرازق الكفاية في توصيف ما جاء به البهاء زهير فيقول: “انتشرت في عهد البهاء زهير أوزان التواشيح الآتية من الأندلس، وذلك لا بد أن يكون نبه الشعراء الى فن من الألحان الشعرية جديدة، فاهتدت الفطر الموسيقية إلى اختيار البحور اللطيفة والأوزان الموفورة الحظ من الموسيقى ومن التأثير، وهذا شأن البهاء زهير فإننا نجده في غير شعر المديح قلما يركن إلى غيره من الأوزان الخفيفة”. نمط آخر ولو تتبعنا نمطاً شعرياً عربياً يدعى بالزهيريات العامية فإننا نجد تشابهه مع نمط شعري عربي فصيح يسمى بالرباعية، فالزهيرية تتكون في الغالب من أربعة أشطر وتكون القافية فيها كلمة واحدة تحمل كل واحدة من هذه الكلمات الأربع معنى مغايراً لكلمة الشطر الذي يسبقه بالرغم من توافق الحروف، وهذا النمط أو البناء الرباعي هو الغالب، أما ما جاء فيما بعد من نظام خماسي وسباعي فهو غير مألوف وغيرشائع، ويبدو لي أن اقتراب الزهيري من الغناء قد نتج من اقتراب شعر البهاء زهير من الغناء كثيراً، ولهذا جاءت تسمية هذا الفن من تسمية ذاك الشاعر - هذا بتقديري الشخصي - وربما يرى آخرون غير ذلك أو يرون أن الزهيريات هو فن من فنون الشعر ويلتزم الجناس في آخر أشطره الثلاثة الأولى والشطر الرابع وهو من شعر عصر الصنعة، حيث يخرج الشعر عن طبيعته إلى فنون جديدة من المحسنات البديعية، وهي مدرسة انتقلت من الشعر الفصيح إلى شعر العامة وهذا الشعر لا يتقيد بالفصحى. الأصول الخليلية هذا الانتقال النظامي من الفصيح إلى العامي لم يهمل الرابط بينهما حيث ظل اسم الصانع الأول البهاء زهير مهيمناً على تسمية نمط شعري انتقل إلى نظام لغوي آخر، إلا أن البنية الشكلية والتركيبة النظامية ظلت محافظة على قوانينها إذ ظل شعر الرباعية هو ذاته شعر الزهيرية يتكون من 4 أبيات. وفي دراسات كثر أرجعت نظام البحور العامية في الشعر العامي إلى أصولها الخليلية وبالتالي فلا نظام عروضياً عامي ولا نظام تأليفاً إلا وهو تقليدي يرجع إلى الأصول النظامية في الفصحى. في الرباعية لا بد من “تصريع” أي توافق القوافي الأربع مع قافية الشطر الأول أو توافق القوافي الأربع مع القوافي الأربع الداخلية، بينما في الزهيريات نجد خروجاً، فبالإضافة إلى عامية القصيدة نجد تشابهاً كاملاً في كلمات الأبيات الأربعة فقط ولا تصريع فيه. إن دراسة شعر الرباعيات وخصائصه مدعاة لاكتشاف المزيد من بواطن هذا التأليف الغريب، الجميل، وأصوله التي ترجع إلى طبيعة تناسق الموشح الأندلسي الذي أوجد له ثوباً خاصاً خرج من أردان القصيدة العربية الكلاسيكية. ولو تصفحنا آراء أخرى لوجدنا بعضهم من يقول إن شعر الزهيريات يعود إلى نظام اكتشفه أبناء إحدى القبائل العربية يعتمد على نظام رباعي. وأعتقد أن كل ذلك يمكن إرجاعه إلى نظام الرباعيات الذي وصل فيه الشعر العربي إلى أقصى حالات تقليص القصيدة في إطار يراد منه أن تستوعب القصيدة الأقل أبياتاً أكثر من معنى “حكاية” وربما هو عودة إلى نظام المقطعات الشعرية التي سادت في بدايات تكوين الشعر العربي، حيث وصف المهلهل بن ربيعة العامري أنه أول من هلهل وطول القصيدة العربية: ومهلهل الشعر ذاك الأول... باب الشمس سقنا كل هذه المقدمة للتعريف بمفهوم الرباعيات وانسجامها وأصولها التاريخية والفنية لقراءة ما وقع بين أيدينا من رباعيات بعنوان “باب الشمس” وهي تضم 130 رباعية ألفها الدكتور مانع سعيد العتيبة. اعتمد العتيبة النظامين اللذين تحدثنا عنهما في بداية هذا المقال وأولهما في صورة: مرّ الزّمن ولم أتنبه أني ما بدلت الجبه والجبة كانت لأمير عربي لا يُعصي ربّه أورثني الجبة وتولّى فجعلت مـن الجبـة قبّه لم أتنبه أنّ زماني جعل القبة عندي حبه حيث نجد التوافق بين “أتنبه” و”الجبه” و”ربه” و”قبه” و”حبه”، كما نجد اعتماد الحكائية من خلال السرد الذي اقترن “الحدث والزمن” في هذا النظام “مرّ” وحكاية الأمير العربي والجبة حيث أورثها للسارد وذهب بعيداً غير أن هذا السارد اكتشف أن بإمكانه تحويل هذه الجبة إلى قبة واكتشف في نهاية الرباعية ان القبة ما هي إلا حبة لذلك الأمير الراحل. وفي النظام الثاني نقرأ للعتيبة قوله: الحب كان أمس من جمعنـا فهل تراه اليوم ظل معنا؟ وهـل تريـــن أنــــه فرقنـــا أم أنـــه لدارنـــا أرجعنـــا الحب في الوداع كان غائباً أو أنه ما شاء أن يسمعـنا وفي لقاء اليوم كان حاضراً ويده ما مسحـت أدمعـنا وفي هذه الرباعية نجد توافقاً بين “جمعنا” و”معنا” و”فرقنا” و”أرجعنا” و”سمعنا” و”أدمعنا”، وهناك تصريع في السطرين الأول والثاني لزيادة الإحساس بجمال الموسيقى. لا أمـــلك إلا كلماتــــي في خوض بحـار الظلمــات صحبـة مُثلـي لا يطلبهـا إلا مشتـــــاق لممـــــــاتِ فتخلـي عنــي ودعينـي لــن يفـــرج حبــك أزماتـي وسهــام رماتـي طائشـة فابتعدي عن طيش رماتي وتبدو بنية الرباعية واضحة من خلال هذه النماذج الثلاثة من ديوان “باب الشمس” للدكتور مانع سعيد العتيبة التي تعطي وصفاً لكيفية بناء هذا النمط الشعري القديم المتجدد، ولكن ماذا عن الجانب الموضوعاتي لهذه الرباعيات؟ نقول مع العتيبة نفسه أن “هذا الديوان هو محاولة للإجابة عن السؤال المصيري الكبير وهو هل من يحجب الشمس هو سلطان البطش والقهر، أما هو خطايانا التي لا حصر لها.. أم هو جهلنا بأن الشمس لا أبواب لها ولا سدود تمنع الإنسان من عطاياها.. أم هو ما نسميه الحب.. والخضوع للمحبوب”. ويجيب العتيبة عن تساؤلاته تلك فيقول “لا أعتقد أن القارئ سيتمكن من العثور على إجابات لهذه التساؤلات كلها من خلال قراءة الديوان مرة أو اثنتين أو حتى مائة مرة.. ولكني واثق أنه سيعثر عليها بالرجوع إلى نفسه والعودة إلى ذكرياته والتأمل بيومه، واستشراق غده الآتي في ضوء الشمس التي إما سيحطم بابها لو وجد أو لن يغمض عينيه وهو ينظر إلى وهجها الرهيب. ومن خصائص هذه الرباعيات التي يكتبها العتيبة هي أولاً مقابلة النهار/ الشمس بالليل/ القمر وما يعادل كل ذلك الشباب/ النهار والشيخوخة/ الليل، وكل ذلك يعادل الثورة/ الخنوع. الرباعية العدمية وبالرغم من تفاؤل العتيبة بالحياة إلا أنه يبدو عدمياً عندما يتحدث عن مفهوم الموت بوصفه حقاً: لا بــد مـن المــوت أخيــراً فلمــاذا ترجـــو التأخيــرا ماذا يجـدي عــام يمضـي في العمر سريعاً وقصيرا سجّـل في الأوراق حروفـاً تجعـل جـوف القـبر منيرا خضت قضايا عشت خطايا لكـن عشـت ومـت أمـيرا ومن المنطق أن تقول مع ما قاله الشاعر في مقدمته إنه دخل إلى عالم النفس الإنسانية في ظلمتها وخوفها وعدميتها وكأنه لا يصف دواخله، وإنما يصف دواخل الناس من خلال دواخله، وكأن الشاعر يعبر عما يخطر في أذهان الآخرين خوفاً وفزعاً وحباً: حبيبتي توسدي ذراعي ما للدموع اليوم أي داعِ بل إنها ترجعني حبيبتي إلى زمان التيه والضياعِ توسدي صدري ولا تفكري بساعة الرحيل والوداعِ لن تخرجي من دار قلبي مرّة أخرى ولن تفارقي أضلاعي وفي هذا الشعر رقة وشفافية هي غاية هذا النمط الشعري الذي ألف الشعر من أجله: لماذا أقول ولا تسمعين وأنت كل خلاصي المعين لأن فؤادي تحوّل سمعاً ولكنه قلْبَ حب طعين لماذا جعلت من القلب أذناً وأنت لديه الأسى تجمعين لأن الأسى منك أنت حبيبي وما كان منك به أستعين في هذه الرباعية سؤالان وإجابتان عن الحب يحاول الشاعر أن يجيب عنهما.. في هذا الديوان رباعيات تنفتح على الناس والثورة العربية والقيم والحب والعتب والوجد. ? ?شعراء الأندلس هم أول من كسروا النظام العروضي التقليدي «القصيدة العربية الكلاسيكية» إلى نظام شعري جديد قائم على تناسق أبيات قليلة في نظامها العروضي واختزال قوانينه وهو «الموشح»

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©