الجمعة 21 يناير 2022
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أطلال المُعلقات... الوقوف شعرياً على رَسمٍ دَرَس!
أطلال المُعلقات... الوقوف شعرياً على رَسمٍ دَرَس!
الأربعاء 20 ابريل 2011 20:22

الشعر ديوان العرب هذا ما أطلق عليه كونه سِفجراً ارتحل منذ قبل الإسلام إلى اليوم يحمل بين أبيات قصائد شعرائه كل ظروف الحياة الإنسانية في تلك الحياة التي عاشها العرب قبل ظهر الإسلام. والشعر العربي القديم تراث إنساني عظيم، وثروة قيمة من الفكر الإنساني الثمين، من نتاج عقول ناضجة رشيدة، وأفكار ثاقبة سديدة، وعواطف جيّاشة نبيلة، ومشاعر إنسانية صادقة، ولهذا بقي خالداً إلى اليوم مع مرور قرون عديدة عليه. كان الشعر رائجاً جداً بين العرب الرُحّل تمثل لغتهم في نظر علماء العراق المعيار اللغوي، أما الآن فإنّ عدد الشعراء يختلف بوضوح بين قبيلة وأخرى، ويجدر ردّ هذه الظاهرة إلى عيوب في طريقة التوثيق أكثر منها إلى طريقة صنع المختارات الشعرية، برأي د. ر. بلاشير في “تاريخ الأدب العربي”. وللشعر القديم دورٌ معروف أبان عنه الدكتور علي الجندي في “عيون الشعر العربي القديم” بأنّه: “البنيّة الأساسيّة التي لا بُدّ من الرجوع إليها والاعتماد لكل دارس للأدب بعامّة وللشعر بخاصّة، بل لا بُدّ منه لكل من له صلة باللغة العربية: تعلُّماً أو تعليماً، أو كتابة أو إلقاء أو تعاملاً؛ فهو لازم للمتعلمين والمعلمين والكتاب والمحامين والإعلاميين: كاتبين أو مسموعين أو مرئيين”. أما المعلقات الشعرية المشهورة في الأدب العربي القديم، فهناك آراء قيلت في تسميتها بهذا الاسم منها: لأنّهم استحسنوها وكتبوها بماء الذهب وعلّقوها على الكعبة، وهذا ما ذهب إليه ابن عبد ربّه في العقد الفريد، وابن رشيق القيرواني وابن خلدون وغيرهم، يقول صاحب العقد الفريد: “وقد بلغ من كلف العرب به ـ يقصد الشعر ـ وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيّرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلّقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهّبة امرئ القيس، ومذهّبة زهير، والمذهّبات سبع، وقد يقال: المعلّقات”. ذكر الدكتور غازي طليمات وعرفان الأشقر في “الأدب الجاهلي قضاياه، أغراضه، أعلامه، فنونه” إلى اختلاف الدارسين نحو تحديد زمن العصر الجاهلي أو كما يُطلق عليه آخرون عصر ما قبل الإسلام من فترة ظهور الإسلام، ومنهم الدكتور شوقي ضيف، والدكتور عفيف عبدالرحمن، والدكتور إبراهيم مصطفى وغيرهم، فقد استند عفيف عبدالرحمن إلى حقيقة تاريخية نقضت تحديد إبراهيم مصطفى، إذ أخذ برأي القائلين إنّ عُمر الجاهلية قرن ونصف القرن، وحُجته أنّ حرب البسوس “وهي حرب مشهورة دامت أربعين سنة، وحددت بدايتها ونهايتها بشكل ظني، على يدّ المنذر الثالث الذي عقد الصلح بين الحيّين: بكر وتغلب، وكان ذلك في نحو 525م”. موضوعات المعلقات اشتملت المعلقات الشعرية على عدّة موضوعات تضمنتها معلقة كل شاعر من شعرائها وهم: امرؤ القيس، طرفة بن العبد، عمرو بن كلثوم التغلبي، زهير بن أبي سلمى، لبيد بن ربيعة العامري، عنترة بن شداد، الحارث بن حِلِّزة اليشكري. وتناول شعراء المعلقات في كل واحدة من معلقته موضوعات عدّة: منها الأطلال والارتحال عن الديار، وذكر الحبيبة والذكريات، ورحلات الصيد، ووصف الحصان أو سرب بقر الوحش، والطعام والناقة، والفخر الشخصي، ونظرة البعض إلى الحياة والموت والمال وصلته بالناس وببعض أقاربه وبطولته وطبيعته ومكانته، والِحَك والأمثال، ومدح الساعين إلى السلام، وحالة الحزن والجزع، وتحقير الأعداء، وإعلاء قومه، والليل، والفخر، والخمر والميسر، والروضة والطبيعة، والتهكم والهجاء.. قِفـا نبكِ افتتح كل شعراء المعلقات معلقته بالوقوف على الأطلال عدا الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي. فامرؤ القيس أول الشعراء الذين وقفوا على الأطلال في معلقته فقال من البيت “ 1 ـ 6”: قِفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومنزِلِ بِسقطِ اللِّوى بينَ الدّخُول فحوملِ فتُوضحُ فالمْقراة لم يَعْفُ رسمُها لِما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ ترَى بَعَرْ الأرامِ في عرصاتها وقِيعانها كأنّهُ حَبُّ فُلفُلِ كأنِّي غَدَةَ البينِ يومَ تحمّلُوا لدَى سُمُراتِ الحيِّ ناقِفُ حنظَلِ وقوفاً بها صحبي عليّ مطِيِهُم يقولون لا تَهلَك أسَى َ وتجَمَّلِ وإنّ شفائي عَبرَةُ مُهرَاقةٌ فهل رَسْمٍ دارِسٍ مِن مُعَوّلِ فامرؤ القيس طلب من صاحبيه في الرحلة أن يتوقفا معه عندها بسقط اللوى بين الدخول وحومل وتوضح فالمقراة. والسقط عند التبريزي صاحب “شرح المعلقات العشر”: هو ما تساقط من الرمل، والمقراة موضع وهو موضع الغدير الذي يجتمع فيه الماء من قولهم: قريت الماء في الحوض إذا جمعته، ومعنى لم يعف رسمها، قال الأصمعي: أي لم يُدْرَس لِما نسجته من الجنوب والشمأل فهو باقٍ ونحن نحزن لو عفا لاسترحنا. ووقوفهم عند هذه المواضع التي ما زال رسمها ظاهراً للعيان، ولم تُمح آثارها على الرغم ممّا هبّ عليها من الرياح الشمالية والجنوبية، وقد كثرت كما يصور الشاعر في أبياته الطللية كثرة الحيوانات غير المستأنسة وملأت فضلاتها ساحات الديار وقيعانها، وقال: إنّه حينما رأى ما آلت إليه الديار، بدا عليه التأثير والحزن الشديد، وبكى بُكاءً حاراً حتى كاد أن ينهار، فأخذ صحبُه في مواساته، ومحاولة التخفيف عنه، ورفع رُوحه المعنوية، وقال: إنّه يجد في بُكائه شفاء، وإن كان لا يجديه شيء ولا يُحقق لهُ أملاً! بُرقة ثهمَدِ تضمنت معلقة الشاعر طرفة بن العبد الحديث عن الأطلال وموكب الارتحال والحبيبة، وأوقفهما على بيتين اثنين هما “79 ـ 80” التي افتتح فيهما معلقته المشهورة قائلاً: لخَولةَ أطلالُ ببُرقَةِ ثَهْمَدِ تلُوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليَدِ وُقُوفاً بها صَحبِي علَيَّ مَطِيَّهُم يقولُون لا تَهْلَك أسَى وتَجَّدِ تناول التبريزي شرح القصيدة في كتابه السالف الذكر، فقال: إنّ خولة امرأة من بني كلب والأطلال واحدها طَلَل وهو ما شَخُص من آثار الدار، وثهمد اسم موضع، والبُرقَة والأبرق والبرقاء كل رابية فيها رمل وطين أو حجارة وطين يختلطان فمن أنّثَ ذهب إلى البُقعة ومن ذكّر ذهب على المكان. وكعادة شعراء المعلقات، افتتح طرفة بن العبد معلقته بالحديث عن الأطلال، وما بدا عليه من التأثر العميق مما جعل أصحابه يقفون عن متابعة السير، ويحاولون تشجيعه على التحمل والصبر والجَلَد، فتذكر موكب الرحيل فوصفه بالضخامة وتحدث عن سيره وهو يحث الخُطى في الوديان بسرعة، متذكراً حبيبته الراحلة في مفازات الوديان والصحارى. وقفتُ بها أشارت معلقة الشاعر زهير بن أبي سلمى الوقوف على الأطلال في أبياتها من “184 ـ 189”، وهي: أمِن أُمِّ أوفَى دِمنةٌ لم تكَلّمِ بحُومانة الدّرّاج فالمُتثلِّمِ ديارٌ لها بالرّقمتينِ كأنّها مراجِعُ وشمٍ في نواشِرِ مِعصَمِ بها العينُ والأرَامُ يمشِيْنَ خِلفَةً وأطلاؤُها ينهَضْنَ مِن كُلِ مَجثَمِ وقفتُ بها مِن بعدِ عِشرينَ حِجّةً فلأيّاً عَرفْتُ الدّارَ بعد توهُمِ أثافي سُفعاً في مُعرَّسِ مِرجَلٍ ونُؤْياً كجذمِ الحوضِ لم يتثّلمِ فلمّا عَرَفتُ الدّارَ قلتُ لربعها ألاَ انْعِم صَبَاحاً أيُّها الرّبْعُ واسْلِمِ يتضح للدارس والقارئ للمعلقات الشعرية الاختلاف البيّن في حديث زهير بن أبي سلمى عن امرئ القيس وطرفة بن العبد، وإن كان حديثاً عن الأطلال إلاّ أنّه شيء جديد تماماً من جميع النواحي. ونجد الرقمتين في الوقوف الطللي في أبيات زهير عند الأصمعي: إحداهما قرب المدينة والأخرى قرب البصرة. أما الكلابي فيرى أن الرقمتين بين جرثم وبين مطلع الشمس بأرض بني أسد، وهما ابرقان مختلطان بالحجارة والرمل. أراد ابن أبي سُلمى في الأبيات الست أعلاه بسؤال نفسه عن حقيقة ما يراهُ أمامه من آثار ديار أحسَّ أنّه له بها سابق عهد، فلم يعرفها لأول وهلة لأنّه غاب عنها عشرين سنة، فتغيرت معالمها، وأصبحت آثاراً بالية، وسكنتها الحيوانات وهي آمنة مطمئنة، فأخذ الشاعر يتفرّسُ بقاياها، حتى تعرّف إليها بعد جُهد ولأيٍّ، فلما تيقن أنّها آثار ديار الحبيبة حيّاها ودَعَا لها بالنعيم والسلام، ولكنّه لم يبكِ عندها، ولم يظهر عليه شيء من الأسى، بل يكاد يكون مرتاحاً حينما رأى موطن حبيبته الذي كانت تغمره بالسعادة والحبور، أصبح موطناً لسعادة هذه الحيوانات التي تعيش فيه آمنة مستقرة، فدَعَا للمكان أن يظل موطن الأمن والسعادة لكل مَن ينزل فيه أيّاً كان. عفَتِ الدِّيارُ تحدث الشاعر لبيد بن ربيعة العامري عن هذا الموضوع في الأبيات من “243 ـ 253”، قائلاً: عفَتِ الدِّيارُ محلُّها فمُقامُها بمِنَىً تأبّد غولُها فرِجامُها فمَدافعُ الريّانِ عُرِّيَ رسمُها خَلَقاً كما ضمِنّ الوُحيَّ سلامُها دِمَنٌ تَجَرّم بعدَ عَهْدِ أنيسها حِجَجٌ خَلَونَ حَلالَها وحَرَامَها رُزِقَتْ مرابيعَ النجومِ وَصَابَها ودَقُ الرّواعِدِ جُودُها ورِهَامُها مِن كُلّ ساريَةٍ وغَادٍ مُدجِنٍ وعشيّةٍ مُتجاوب إرزامُها وعرض الشاعر أن ديار حبيبته قد ذهبت معالمها وانمحت وصارت رسوماً بالية، وقد مرّ عليها سنوات كثيرة مذ هجرها سكانها، وهطلت عليها الأمطار الكثيرة، خفيفة وغزيرة وفي جميع الأوقات، فكثرت فيها النباتات والأشجار، وسكنتها الحيوانات وتكاثرت فيها، وملأتها بقطعانها تعيش في هدوء واستقرار، وأشار: إلى أنّه وقف يسألها، ولكنّه سخر من نفسه أن يسأل أحجاراً صمّاء ليبين كلامها، فقد غادرها أهلها منذ زمن طويل، وصارت خراباً، ومن العبث أن يضيع الإنسان وقته فيما لا فائدة منه ولا أمل فيه، أو أن يتعلق بأوهام وخيالات، ولذلك لم يبكِ زهيراً، ولم تظهر عليه إمارات الحزن، بل إنّه عجب أن وقف وسأل، واعتبر ذلك خارجاً عن نطاق التفكير السليم. قِفِي قبلَ التّفرُّقِ الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي أنشد معلقته من وراء سبعة ستور، ولما فرغ من إنشادها ظنّ الناس أنّها قصيدة لا يعدلها شيء. ولكن الشاعر على غير عادة شعراء المعلقات لم يلتفت للأطلال في مفتتحها بل تناول موضوعاً آخر فعندما تحدث عن جَمَال الحبيبة الجسمي تحدث عن اعضاء لم يتعرض لها سابقوه من شعراء المعلقات، فحديثه في هذا الموضوع جديد في العرض والاتجاه، فأنشد في مطلعها: ألا هُبي بصحنِك فاصبَحينا ولا تُبقِي خُمور الأندرينا مُشعشعةً كأنّ الحُصّ فيها إذا ما الماءُ خالَطها سَخِينا فقد طلب الشاعر في الافتتاحية شراب الصبُوح بحيث يكون كثيراً، ومن أجود أنواع الخمور، ثم في الأبيات التالية للمعلقة أشار إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، فتحدث عن شعوره نحو حبيبته، وهي قربة منه، وهي بعيدة عنه، فقال: قِفِي قبلَ التّفرُّقِ يا ظعِينا نُخَبِّرْكَ اليقينَ وتَخُبِرِينَا بيومٍ كريهةٍ ضرباً وطَعناً أقَرّ بهِ مَوالِيكِ العُيُونَا قِفِي نَسْألُكِ هل أحدَثَتِ وَصْلاً لِوَشْكِ البينِ أمْ خُنْتِ الأمينَا تُرِيْكَ إذا دخلتَ على خَلاءٍ وقد أمِنَتْ عُيُونَ الكاشحِينَا ذِراعِي عَيْطلٍ أدماءَ بِكْرٍ تَرَبَعَتِ الأجارِعَ والمُتُونا وقف عنترة بن شداد العبسي لذكر الحبيبة في الأبيات من “331 ـ 334” مفتتحاً بها معلقته، فقال: هل غادر الشعراء من مُتردم أم هل عرفت الدار بعد توهمِ يا دارَ عبلة بالجَواءِ تَكلّمِي وعَمِي صبَاحاً دارَ عبلةَ واسلمِي فوقفتُ فيها ناقتي وكأنّها فَدَنٌ لأقضي حاجةَ المُلوِّمِ حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تقادَمَ عَهدُهُ أقوى وأقفَرَ بعدَ أمِّ الهيثَمِ فقد أوضح العبسي أنّه قد عرف الحبيبة بعد أن كان شاكاً فهيأت له فرصة طيبة للكلام، بعد أن كان يعتقد أن الشعراء السابقين قد استوعبوا الكلام في كلّ شيء، ولم يتركوا مجالاً لمن يأتي بعدهم فكان تيقنه من دار” عبلة” موضوعاً عظيماً للحديث، فنادى عنترة الديار، وألقى عليها تحية الصباح ودَعا لها بالنعيم والسلام، ووقف ناقته، ومنعا من متابعة السير لكي يؤدي ما يجب عليه نحو الحبيبة من تقدير وتكريم لأنّه يعتقد أن هذه الأطلال وإن قفرت وخَلَت من الأحبة والصحابا، فإنّها رمز خالد لهم، وعلامة باقية تدلّ عليهم مهما توالت السنون، وتعاقبت الأجيال، فتحيتها تحية لأهلها، واحترامها رمز لاحترامهم، وإكبارهم. فتنوّرت نارَها ذكر الحارث بن حلزّة اليشكري في أبيات معلقته من “507 ـ 514” وقوفه على الذكريات والديار التي قال فيها: آذنتنا ببينها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثواءُ بعدَ عهدٍ لها ببُرقَةَ شَمّا ءَ فأدنَى ديارها الخَلصاءُ فمُحيّاهُ فالصّفاحُ فأعلى ذي فتَاقَ فعَاذبٌ فالوفاءُ فرياضُ القَطَا فأوديه’ الشُّرْ بُبِ فالشعبتانِ فالأبْلاءُ لا أرى مَن عهدتُ فيها فأبكى ألـ يومَ دَلْهاً ومَا يُرُدُّ البكاءُ وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النا رَ أخيراً تُلوِى بها العلياءُ أوقدتها بين العقيق فشخْصَيّـ نِ بعُودٍ كما يلوحُ الضياءُ فتنوّرت نارَها مِن بعيدٍ بخزارٍ هيهاتَ مِنك الصّلاءُ فقد أشار اليشكري إلى أنّ حبيبته أعلنته بالرحيل، فحزن وتذكر الأماكن التي تجمعهما فيلتقيان فيها، ويسعدان باللقاء، وقال الشاعر: إنّه عندما يمرُّ بهذه الأماكن لا يجد فيها مَن كان يعهدها فيبكي، ولكن بكاءه كان يذهب سُدى. والبُرقة: رابية فيها رمل وطين أو طين وحجارة مختلطان، وشمّاء: هضبة معروفة. فأدنى ديارها الخلصاء، أي كان أقرب لقاء بينه وبين حبيبته، كان في الخلصاء، ولقاؤه هذا كان بعد لقائه بها في بُرقة شمّاء، بينما تعني الصّفاح: أسماء هضاب مجتمعة، وفتّاق: جبل عاذب، أما رياض القَطَا: فهي رياض معينة معروفة يكثر فيها استنفاع الماء ودوامه، فتُعشب فـألفها الطير لذلك. ولم يأتِ الشاعر على ذكر الأطلال والبكاء في الأبيات إلاّ في البيت الأخير من هذه المجموعة، وهي كما نرى إشارة عابرة سريعة، لأنّه كما يبدو من السياق العام للمعلقة كان مشغولاً بأمور أخرى، مَلَكَت عليه مشاعره، فكأنّما أشار على الأطلال والديار تحلّة للقسم، وهذه الإشارة العجلَى إلى الأطلال تعدّ جديدة في بابها، إذ لم تَرِد عند أحد شعراء المعلقات غيره بهذا الإيجاز الشديد، ومما لا شك فيه أنّ الشاعر ابن حلّزة لو كان في ظروف عادية وكان على سجيته الفنية وطبيعته، لأجاد في ذلك وأبدع، وأتى بما لم يأتِ به غيره في هذا المقام.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©