الإثنين 6 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
الحارث بن عباد نسج قصيدة معلقة لم تعلقها العرب
الحارث بن عباد نسج قصيدة معلقة لم تعلقها العرب
الأربعاء 9 July 2008 23:51

لنفترض جدلاً صحة النظرية التي تقول إن الشعر العربي في العصر الجاهلي كان قد ابتدأ بالحداء ثم انتقل الى المقطعات التي لا تتجاوز 7 أبيات شعرية يقولها الشاعر، حتى جاء المهلهل بن ربيعة فهلهل القصيدة، أي طولها واستطال بها حتى قال فيه امروء القيس وبعضهم قال الفرزدق: ومهلهل الشعراء ذاك الأولُ وإذا صحت هذه النظرية فمعنى ذلك أن بداية حرب البسوس التي كان فيها المهلهل بن ربيعة ''عدي بن ربيعة'' هو أول ـ بحسب امرئ القيس وغيره من علماء العربية ورواتها فيما بعد ومنهم أبو عبيدة وابن قتيبة ـ من طور المقطعة وجعلها ذات نفس شعري تجاوز فيه السبعة أبيات فإن ذلك يلغي ما قيل من شعر كثير روي عن شعراء عاصروا هذا الشاعر أو ما سبقه· أما عن الوقوف على الطلل وبكاء الديار وتذكر ساكنيها فقد قال في ذلك امرؤ القيس أيضاً: عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن خذام والمرجح أن ابن خذام أيضاً ـ بحسب امرؤ القيس ـ هو أول من بكى على الديار واستبكى صاحبيه مما جعلها سنة وطريقة متبعة فيما بعد في مقدمات القصيدة الطليلة· إن ما يهمنا هنا أن نقرأ صلة المقطعات القصيرة بما قيل عن استطالتها على يد المهلهل وما يتعارض مع وجود قصائد طويلة في زمن المهلهل ومنها قصائد ''الحارث بن عباد'' كونه معاصراً للمهلهل أولاً وخصمه في حرب ''البسوس'' ثانياً·· ذلك ما نحاول مناقشته من خلال كتاب ''ديوان الحارث عن عباد'' بجمع وتحقيق أنس أبو هلال والصادر عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث لعام ·2008 يقول الباحث أبو هلال: إن القصيدة كانت تُعد في زمانها أكثر من ثلاثة أبيات·· ويقول في مكان آخر شارحاً أوضاع كليب أخو المهلهل الذي حارب قبائل اليمن في يوم خزاز وانتصر عليهم وكثر القتل والأسر في حمير ''فكان ذلك سبباً في زيادة استبداده بعدما انتشر ذكره ومدحته الشعراء''· وهو في معرض مناقشة كتاب ابن اسحاق ''كتاب بكر وتغلب''· والمدقق في هذين الاستشهادين يجد أن القصيدة بمعناها المتداول قد اكتملت كقصيدة لا كمقطعة أقل من ثلاثة أبيات وإن كليب كان يأتي إليه الشعراء ليمدحوه، بينما تواجهنا نظرية القول برأي امرئ القيس أو الفرزدق بأن المهلهل بعد حرب اليمن ومقتل كليب على يد جساس بن وائل هو الذي استطال بالقصيدة العربية فهلهلها ولذا سمي بالمهلهل· حسناً إذا افترضنا صحة نظرية القول بشطر بيت امرئ القيس أو الفرزدق، كيف نفسر قصيدة الحارث بن عباد التي ألقاها بعد مقتل بجير ابنه على يد المهلهل بن ربيعة ''عدي بن ربيعة'' والتي امتدت الى 100 بيت في الرثاء والحكمة والشجاعة؟· البسوس القصة باختصار شديد أن كليباً كان ملكاً على بكر وتغلب ومعروفة هي قصة ''البسوس'' وكيف قتل جساس كليباً وحرب عدي بن ربيعة على بكر طالباً بثأر أخيه واعتزال الحارث بن عباد الحرب وهو بطن من بطون بكر والذي قال قولته المشهورة: ''هذه الحرب لا ناقة لي فيها ولا جمل'' ولكن لأنه أراد أن يصالح بين الطرفين بعد طول حرب وتقتيل في بكر وهزائم متوالية أرسل ابنه ''بل قيل ابن أخيه'' بجيرا الى المهلهل لكي يعرض عليه الصلح النهائي أو لأمر فيه مشورة إلا أن المهلهل طعن ''بجيراً'' وهو يقول ''مت بشسع نعل كليب'' وتلك العبارة هي التي قصمت ظهر البعير·· والتي استثارت الحارث بن عباد حين سمعها بعد أن قال ''إن كان مقتل بجير فيه صلح بكر وتغلب فهو الخير كله''، إلا أنه حين نقل إليه ما قال المهلهل غضب الحارث بن عباد وقال قولته الشهيرة ''لا أغفر لتغلب حتى تكلمني الأرض'' ودارت الدوائر على تغلب بعد أن انضم ابن عباد الى بكر في حربها على تغلب والمعروف يوم ''تحلاق اللمم'' وقائد بكر في هذا اليوم الحارث بن عباد إذ جعل علامة البكريين بأن يحلقوا لممهم حيث قال الحارث: سائلوا عنا الذي يعرفنا بقوانا يوم تحلاق اللمم يوم تبدي البيض عن أسوقها وتلف الخيل أعراج النعم ما يهمنا هنا أن الحارث حين سمع بمقتل بجير على يد المهلهل بن ربيعة ''بشسع نعل كليب'' قال قصيدة ''لامية'' مشهورة وصل عدد أبياتها الى 100 بيت من الشعر وهذا لا يتفق جملة وتفصيلاً مع نظرية الاعتماد على مقولة إن المهلهل هو أول من هلهل القصيدة·· إذا افترضنا صحتها أولاً، وثانياً أن القصيدة ابتدأت ببيت فيه الكثير من الروحية والوجدانية الآسرة: كل شيء مصيره لزوال غير ربي وصالح الأعمالِ وترى الناس ينظرون جميعاً ليس فيهم لذاك من احتيالِ قل لأم الأغر تبك بجيراً حيل لبين الرجال والأموالِ وهذا ربما يذكرنا ببيت لبيد بن ربيعة المتأخر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل وكأن الأول صنع من الثاني على يد صناع الشعر المتأخرين: هذا بالإضافة الى ما في قول الحارث بن عباد من مسحة دينية إسلامية كما قرر الباحث بن هلال رجوعاً الى قوله تعالى ''كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام''· النعامة وتستمر القصيدة اللامية للحارث بن عباد حتى أنه يكرر ''قربا مربط النعامة مني'' الشطر مع اختلاف ''العجز'' من البيت 45حتى البيت 88 أي 43 مرة: 45 ـ قربا مربط النعامة مني لقِحت حرب وائل عن حيالِ 88 ـ قربا مربط النعامة مني لبجير فداهُ عمي وخالي حيث طلب الحارث بن عباد ''أن يقربا مربط النعامة منه'' ليركبها لقتال المهلهل بعد أن اعتزل الحرب طويلاً·· حسناً ألا نلحظ وكان المفروض أن ينتبه إليه الباحث أن صيغة المثنى في ''قربا'' هي ذاتها صيغة المؤنث المخاطب في قصائد المعلقات ''قفا نبك''· وكأن صناعة هذه الأبيات الطويلة والعديدة التي لم يتغير فيها الشطر بتغير العجز قد جاءت متأخرة ومضافة· إذ لا جديد فيها سوى أنها تنويعات أضيفت متلاحقة كما يبدو فيما بعد· منها: قربا مربط النعامة مني قرباها لاسمر عسّال قربا مربط النعامة مني قرباها وقربا سربالِ قربا مربط النعامة مني لا يباع الرجال بيع النعالِ قربا مربط النعامة مني إن قتل الكريم غيّر حالي فهي تقريرية فيها من السذاجة الشعرية لا تتوافق بأي حال مع روح الحزن العميق والإصرار الكبير من قبل الحارث بن عباد الذي غير كفة الحرب بين بكر وتغلب· الجانب الآخر: لو افترضنا أن العرب قد اختارت قصائد المعلقات على أساس ما فيها من أحداث ارتبطت بقصص أصحابها هذا بالإضافة الى جدتها الشعرية وتركيبها العالي ولنسلم بصحة هذه النظرية لماذا لم تختر العرب قصيدة الحارث بن عباد كونها المطولة الأولى في الشعر العربي 100 بيت من الشعر؟·· إننا نسأل فقط· لقد رد الباحث أنس بن هلال على مقولة مشابهة بيت الاستهلال في القصيدة للآية القرآنية قائلاً: ''وللرد على الملاحظات نشير الى أن مطلع القصيدة لا يمثل الآية الكريمة التي ذكرناها فبين معنييهما فرق واضح، وإن كان البيت يستوقف الناظر فيه لذكره خلود العمل الصالح بعد فناء الأشياء وهو معنى قد يكون غريباً عن العصر الجاهلي'' وهذا الرد يبدو لي غير مقنع حتماً إذ ليس فيه سببية الملاحظة· المرقش وكان رد الباحث أبو هلال على ما جاء في كتاب عبدالعزيز نبوي جامع ديوان بني بكر الذي يقول ''والحق أن كثيراً من أشعار الحارث بن عباد يغلفها الشك والاتهام، نظراً لطولها المسرف، الأمر الذي لا تعهده عند شعراء المرحلة الأولى من الشعر البكري، فإن صحت هذه القصائد ـ وهو ما لا نرجحه ـ فهو حقاً مقصد القصيد ومهلهل الشعر العربي قبل المرقش الأكبر''· لنفترض صحة أن المرقش الأكبر هو المطول وان المهلهل ليس كذلك إذاً لانتفت مصداقية هذه الأبيات الطويلة والقصائد الممتدة حتى الـ 100 بيت· لا يرد الباحث أنس أبو هلال على ما قاله نبوي ولم يناقشه وهو ما يحتاج بالأساس الى نقاش مطول واستشهادات كثيرة قادرة على أن تدحض نظريته هذه· لنعد الى متن الديوان في القسم الثاني، حيث قسم الباحث أنس أبو هلال كتابه الى قسمين، الأول منهما هو الدراسة بـ 146صفحة والقسم الثاني ''الديوان'' بـ 99 صفحة·· نلحظ شيئا غريباً وهو أن القصائد التي جمعت قد ناقش أبو هلال مصادرها ولم يناقش أو يحلل تعاقبها الزمني وتقديم أولها على آخرها وحججه في ذلك بالاستناد الى أحداث أو بنى تركيبية أو تحول الشاعر من المقطعات كما في القصيدة الخامسة والثامنة، أما تقسيمة الديوان الى قصائد ومقطعات وايراده 4 مقطعات لشاعر طوّل القصيدة مثل الحارث بن عباد فهذا لا يعقل وكان المفترض مناقشته بشكل مستفيض· إذ لا يمكن أن نرى شاعراً ومحارباً وحكيماً مثل الحارث بن عباد قد قال 4 مقطعات فقط· أما القصيدتان الخامسة والثامنة التي عدهما الباحث قصيدتين وهما من ''''4 أبيات ''ربما تكونان من بيتين مصرعين ولنأخذهما مثالاً: نحن منعناكم ورود النهر بالمرهقات والرماح السمر فوارس من تغلب وبكرِ على خيول شزب وضمرِ عدّها الباحث أنس أبو هلال قصيدة لأنها تجاوزت 3 أبيات وهي ربما قصيدة مصرعة ببيتين من الرجز: نحن منعناكم ورود النهرِ بالمرهقات والرمامح السمر فوارس من تغلب وبكر على خيول شزب وضمرِ وبذلك تصبح مقطعة ليس إلا· كذلك القصيدة الثامنة من مشطور الرجز: إني أرى ذا جلدٍ وباسِ تخاله البجير إذ تقاسِ في حملهِ والطرد والدعاسِ فهو به الوفاء دون الناسِ يمكن لنا أن نعتبرها مقطعة هذا بالإضافة الى إمكانية التسليم بمقولة إن المقطعة ما قلت عن ''السبعة أبيات''·· أما الرجز فليس قصيدة هنا حتماً· ''ديوان الحارث بن عباد'' لأنس بن هلال جهد ليس بالقليل وتقصٍ بارع لأمهات الكتب العربية، وبحث في المصادر والمظان بدأب وروية يحسب له·

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©