الإثنين 6 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
الإمارات
«ستموت بعد أسبوعين!».. المفاجأة والإيمان
«ستموت بعد أسبوعين!».. المفاجأة والإيمان
الثلاثاء 16 مايو 2017 13:57

تأليف ــ أ. د. جمال سند السويدي عرض ــ خالد عمر بن ققه حين شرّفني الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ـ بالاطلاع على كتابه الجديد «لا تستسلم.. قصتي مع البشر والسرطان»، والذي سيصدر قريباً تحت عنوان «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي»، بدر إلى ذهني التساؤل التالي: هل سيتطرق الكاتب إلى مسائل ذات طابع خصوصي، شخصي وأسري وقبلي، وحتى سياسي مثلاً؟، وعندما قرأت الكتاب وجدته يُفصَّل تجاربه الحياتية، ويُقدَّم إجابات لأسئلة طُرحت خلال السنوات الماضية، منها: ما مدى قربه من صانع القرار في دولة الإمارات؟، ومن أين يستمد الجرأة في الجهر برأيه؟.. إلخ. كتاب «لا تستسلم» الذي تنفرد «الاتحاد» بنشره على حلقات، جديد من ناحية الموضوع والطرح والمنهج، فيه يسرد جمال سند السويدي خلاصة تجاربه مع البشر، ومع مرض السرطان، ويأتي على أدق التفاصيل في حياته، النجاح والفشل، الصحة والمرض، القوة والضعف، والهدف من كل ذلك هو زرع الأمل في الناس، أينما وجدوا.. إنه يُمثّل تجربة جمال السويدي الإنسان والمفكر والباحث، فيها الحديث عن الذات، وعن الأسرة، وعن الوطن والأمة، وعن علاقة المثقف بالسلطة.. كتاب يجعلنا نكتشف جمال السويدي من جديد، وأيضاً نتعرَّف إلى أسلوبه في مواجهة مصاعب الحياة.. وفيما يلي نص الحلقة الأولى: من أول سطر في الكتاب يحدد المؤلف خلفية سرده لجوانب من حياته، فيقول: «لم يكن لهذه السيرة الذاتية أن تظهر إلى النور لولا تجربتي مع مرض السرطان، ومعاناتي مع العلاج خلال رحلة استمرت أكثر من عشرة أعوام، منذ نهاية العام 2003.. وربما تكون هذه التجربة هي ما يمكن أن أقدمه لقرَّائي خارج المجال الأكاديمي والبحثي الذي كرست له حياتي وجهودي». إذن هذا الكتاب ليس عملاَ بحثياً أو فكرياً كما هي الحال بالنسبة لمؤلفات السويدي السابقة، وإن كان لا يخلو من فلسفة وأفكار وتصورات وتوقعات تتعلق بقصته مع البشر، وهو على صعيد المعايشة تجربة جديدة مع شدة الألم ومع لذة الفرح عند الشفاء، وهو أيضاً مدخل لتأسيس المعرفة وزرع الأمل، وهي جميعها ذات صلة بمرض السرطان، كما جاء واضحاً في قول الكاتب: «.. لقد فتح لي تدوين تجربتي مع مرض السرطان باباً لتأمل حياتي كاملة، واستعادة مراحلها وتحولاتها على ضوء خبرة جديدة تختلف عن كل ما واجهته من قبل». وهدفه الأول من هذه السيرة هو أن يقول بشكل عملي لكل مرضى السرطان ولذويهم وللمجتمع: «إن مريضاً سابقاً بالسرطان هو مَنْ يكتب ومَنْ يؤلِّف، ومَنْ يتكلم، ومَنْ يُنجز ويتعامل كل يوم مع واجبات جديدة ومهامَّ معقدة، ويدير مؤسسة كبيرة بكل ما يعنيه ذلك من ضغوط وإرهاق بدنيّ وعقليّ، وهذا بالإمكان حدوثه مع أيّ مريض بالسرطان». وليد العُسْر.. رَجُل اليُسْر غير أن هذه السيرة لا تقف عند مرض السرطان بل تضم أيضاً، خلاصة تجارب السويدي وقصة نجاحه التي قامت على الجد والاجتهاد والإخلاص للوطن ولقيادته، «فالطفل الذي أبصر النور في العام 1959 في دولة الإمارات العربية المتحدة، لأسرة متواضعة ووالدين أميين لم يكن ليتوقَّع أنه في سنوات حياته المقبلة سيصبح واحداً من نخبة الفكر في بلده، وأن العُسر سينقلب بفضل الله رخاءً ويُسراً، وأنه سيقود العمل في مؤسسات كبيرة وناجحة، وسيقف على منصات التكريم في بلده وفي أهم بلدان العالم، وسيحصل على كثير من التقدير المادي والمعنوي، ولو قيل لهذا الطفل وقتها، إن مقابلة زعماء العالم وقادته ستصبح أمراً روتينياً ومعتاداً بالنسبة إليه حين يكبر، لظنَّ ذلك إفراطاً في الخيال أو ضرباً من المستحيل». ومع عمق التجربة السابقة الذكر، إلا أنه لم يكن متحمّساً لتدوين سيرته، إلاَّ أنه اكتشف «أن استعادة وقائع الحياة وأحداثها واستحضار الأيام والذكريات الماضية، يحرِّك في القلب وفي النفس مشاعر يصعب وصفها، وينفض عنها غبار الأيام، ويبعث كوامن الحنين من مراقدها، وتحضر وجوه الأحبة من وراء حُجُب الغيب تخفف عنا بعض ألم الغياب، ويخرج أصدقاء الطفولة والصبا من الحكايات والذكريات يضيؤون أيامنا ويشغلون الفراغ بضحكات الصفاء والمحبة الخالصة»، وسنرى ذلك تفصيلاً في الحلقات المقبلة. هنا يتوجه جمال السويدي بالشكر إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، حفظه الله، على فضله الذي غمره به، فسموه هو السبب الرئيس لكل نجاح حققه، وهو مدين له بحياته بالمعنى الحرفي، وبنجاته من مرض السرطان، بعد الله عز وجل، كما سنتابع في الحلقة المقبلة. مشاهد اللاّوعي بعد ذلك، يعود السويدي إلى سرد تجربته مع مرض السرطان، منذ اللحظة، التي قال له فيها الطبيب البريطاني بلهجة محايدة: «ستموت بعد أسبوعين» في ذلك المساء البعيد من شهر ديسمبر 2003. يواصل السويدي واصفاً هول الخبر ومرارة التجربة: «كنت أنظر إلى الطبيب بهدوء يصعب عليّ حتى الآن أن أعلم مصدره، واستمعت بدوري إلى حديثه حول ما تبقَّى لي من أيام وساعات على قيد الحياة بالتركيز نفسه الذي أستمع به إلى محاضرة علمية، أو أتلقّى به خلال عملي حدثاً سياسياً، ومن ثم أُخضعه لتحليل ونظر من كل جوانبه». ومهما يكن تصورنا لرد الفعل المنتظر من السويدي، فإننا سنعجز عن ذلك لسبيين، الأول: لأنه الشخص المعني، ويتحّكم فيه إحساس اللحظة نتيجة سماع الخبر، حيث الموت المؤكد خلال أسبوعين، والثاني: أن الناس في الغالب يتملكهم الخوف من أمراض عادية، فما بالك والأمر يتعلق بالسرطان، لرجل لم يتعرض لمقدمات سابقة تشي بإصابته به؟!. يقول السويدي بهذا الخصوص: «وفيما يبدو تكتيكاً دفاعياً طوّرته الذات لمواجهة هذه اللحظة الصعبة، بدأ عقلي يستدعي مشاهد متفرقة من حياتي تدور حول لحظات معينة من سنوات طفولتي ودراستي ومسيرتي المهنية، وذكريات بعيدة وقريبة تخص والدتي وأبنائي وزوجتي وآخرين ممن عرفتهم.. مشاهد لا رابطَ واضحاً بينها، يستخرجها اللاوعي من قاعه السحيق، وفق منطقه الخفيّ.. كان اللاوعي يؤدي دوره في المقاومة، ويعينني على الخروج من صدمة اللحظة كبداية للمواجهة التي سيطول أمدها». غير أن السويدي بدا في تلك اللحظة قوي الإيمان، ومُتعمِّقاً في فلسفة الوجود بشكل مثير للانتباه، يتضح هذا في قوله التالي: «الغريب أن الموت، الحقيقة الوحيدة المؤكدة التي لا مهرب منها، تتخذ دائماً طابع المفاجأة.. يتلقاها الناس بدهشة، وكأنها خروج على نواميس الكون، وإذا كان هناك من يرى في ذلك تناقضاً من تناقضات الإنسان، فأنا أراه &ndash على العكس &ndash انسجاماً مع إرادة الحياة التي جعلها الخالق ألصق صفات الإنسان به، وأوثقها، بل إنها تمتد إلى بقية المخلوقات التي تمثل إرادة الحياة أو غريزة البقاء لديها المنطلق الأهم لسلوكها، وكانت القيم الدينية القوية والمستقرة في أعماق النفس حاضرة في هذه اللحظة لتدعم ثباتي في مواجهة الخبر المزلزل، وبرغم ذلك كان للمفاجأة وقعها، فليس سهلاً &ndash مهما كانت درجة ثباتك &ndash أن يقال لك إنك ستموت بعد أسبوعين». الهبة الإلهية.. واليقين يواصل السويدي حديثه بعد إدراكه لمأساته: «كان أحد عناصر المفاجأة في اللقاء مع فكرة الموت في حالتي هو ضيق الوقت المتاح، فلم يكن هناك سوى أيام قلائل للتعامل مع تصورات الطبيب البريطاني. ويبدو أن عبارة «ستموت بعد أسبوعين»، كانت كافية لاستنفار إرادة الحياة.. السلاح الخفي الذي وضعه الخالق في أنفسنا، ومنحنا بعض المعرفة به، لكنه أوكل إلينا استخراجه في اللحظة المناسبة لنستعين به على مواجهة عوامل الموت والفناء». غير أن قوة الإرادة لديه كانت عاملاً مهماً في معركته مع السرطان، لكنها كانت مسبوقة بهبة إلهية أخرى، هي إيمانه بالله عز وجل، وعنه يقول: «الإيمان، في وجه من وجوهه، هو يقين ثابت بوجود قوة عليا ترعى خطواتك.. قوة منبثة في كل مكان يُدركه العقل أو يعجز عن إدراكه، تُخبرك في أعمق أعماق روحك أن ثمة من يشملك بالعناية ويختار لك طرقاً لم تتخيلها بتصوراتك الشخصية». يضيف السويدي: «إن قوة الإنسان الداخلية، حين تستند إلى الإيمان، تتضاعف وتتعاظم حتى تهون أمامها كل الصعاب، ويكفي أن تقرأ في لحظة معينة قوله تعالى: «ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون»، لتشعر بأن شيئاً أشبه بالانشطار النووي يحدث داخلك، تكون محصلته &ndash كما هو شأن الانشطار النووي &ndash طاقةً لا حدود لها». ولتعميق الفكرة أكثر وشرحها بالتفصيل يقول السويدي: «.. هكذا أفهم الإيمان، فهو علاقة بين الروح الإنسانية وخالقها، علاقة تتجدد في كل لحظة.. كنت أقرأ القرآن الكريم وأتلقاه لتكتسب كل كلمة وكل آية وكل حرف في كل مرة معنى جديداً لم يلحظه عقلي سابقاً ولم يدركه حدسي.. أرى أوردتي مثقلة بالأجهزة الطبية وتخترقها عشرات الإبر كل ساعة، فأتوقف ملياً مع قوله سبحانه وتعالى: «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد»، فأشعر كأنني أقرأها للمرة الأولى.. أشعر أن الآية الكريمة التي قرأتها وسمعتها آلاف المرات من قبل كانت تختزن معنى لم أدركه إلا في هذه اللحظة وحدها، ليُشرق في قلبي يقين بأن الله سبحانه وتعالى يُنبئني بأنه معي، ويدرك عقلي أن مئات الملايين من الناس ربما سمعوا هذه الآية وفهموها في كل مرة بطريقة تتفق وما يمرون به من أحوال، وما يشعرون به من آلام، وكل واحد منهم يشعر بأن هذه الآية الكريمة تخاطبه هو وحده دون سواه من البشر على هذه الأرض». تجربة الزمان ويتساءل السويدي: «هل كانت لهجة الطبيب المتحدية لوجودي الإنساني هي الحافز الذي ألجأني إلى استخراج إرادة الحياة، والاستعداد لمنازلة ضارية مع عدو شرس؟»، ويجيب، وهو يتعامل مع حكم الطبيب كفرض يحول اختبار صحته: «لا أستطيع الإجابة، لكنني وجدت نفسي أتأهب للمعركة، وفي داخلي ضوءٌ ما.. حدسٌ ما.. يُنبئني بأن هذا الجالس مرتكزاً على سلطة ما يتصوره معرفة مطلقة، ينقصه الكثير ليحكم، وأن ثمة خطأً فيما يُجزم به على الرغم من أنه ينظر في تحاليل وأشعات وكأنه مجرد ناقل لطلاسمها». ولكن لماذا هذه السيرة؟ ولماذا الآن؟.. يجيب السويدي قائلاً: «في البداية كنت أشعر بأنني لست بحاجة إلى كتابة سيرتي الذاتية، لكنني بدأت أغيّر هذه الفكرة، وبتّ مقتنعاً بأن كثيرين قد يحتاجون إليها، وأن لهم عليَّ واجباً، وطنياً ودينياً وإنسانياً، وفق فهمٍ للدين الحنيف أؤمن به بوصفه تقديم كل ما هو خير ونافع ومفيد إلى الناس.. لقد أحسست بأنني أؤدي واجباً، وفي سبيل ذلك يمكنني تحمُّل بعض الأعباء الإضافية، وأنا قد اعتدت على أي حال التعايش مع جدول أعمال مثقل بالمهام. أحسست أن هذه الغاية النبيلة تستحق، وأن هذا الجهد سيؤتي ثماره ويستفيد منه الناس اليوم أو غداً، بحكم الطبيعة الإنسانية للتجربة التي مررت بها، والتي يمكن أن تكون ملهمة وفاعلة في أي زمان». ومن هنا انتهى إلى عنوان «لا تستسلم» باعتباره خلاصة تجربته، وأيضاً كونه يمثل المبدأ الذي يقف وراء ما حققه في سنوات عمره الماضية، لذلك اتخذ من مبدأ «لا تستسلم» السند في أولى محطات العلاج، وها هو ينظر إلى ما مضى من عمره، ليكتشف أنه كان سلسلة متصلة الحلقات من التغلب على المصاعب والتحديات التي رفض فيها الاستسلام، حدث هذا أثناء دراسته ما قبل الجامعية، وأثناء دراسته الجامعية وأثناء دراسته للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه في الولايات المتحدة الأميركية. ولم يستسلم أيضاً حين تعرض لتآمر بسبب سيطرة جماعة «الإخوان المسلمين» على جامعة الإمارات العربية المتحدة، وعلى الابتعاث للدراسة إلى الخارج في العام 1981، كما لم يستسلم في محطات أخرى كثيرة من حياته سنأتي على ذكر بعضها في الحلقات المقبلة، وأخرى يمكن للقارئ أن يطلع عليها عند قراءته للكتاب. المهم أن المؤلف انتهى إلى قناعة مفادها: «إياك أن تستسلم»، وهو يدخل في معركة مع تحدٍّ أكثر شراسة، يثير اسمه الرعب في النفوس، وكان يدرك أن المعركة مع السرطان مختلفة، لكنه كما قال: «كان يؤمن أيضاً بأن الوصفة ذاتها التي رافقته طيلة مسيرته الدراسية والمهنية والإنسانيّة، تبقى هي الطريق إلى الانتصار»، وفعلا لم يستسلم، ونجح وشفي، وهذا الكتاب شهادة عن ذلك، ولكن ما هي العوامل المساعدة على ذلك؟ وما هي المحطات الكبرى في حياة السويدي؟.. نتابع ذلك في الحلقة المقبلة. يتبع...  

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©