زائر البازارات السياحية في مصر لاسيما في منطقة خان الخليلي وشارع المعز لدين الله لابد أن يتوقف أمام اللوحات الفرعونية القديمة التي تصنع من أوراق البردي والمزينة بنقوش ورسوم تماما كتلك التي كان يستخدمها الفراعنة منذ 5 آلاف سنة. قد ينتاب الزائر شعور بأن تلك البرديات حقيقية لدقتها غير أنه يكتشف بعد سؤال البائع أنها نتاج حرفة باتت تلقى رواجا بين فريق من الناس غالبيتهم من جيل الشباب وجدوا في زراعة وتصنيع ورق البردي مجالا خصبا لتحقيق طموحاتهم وكسب أرزاقهم. تبدأ رحلة تصنيع ورق البردي بعيدا عن القاهرة بنحو 100 كيلومتر من جهة الشمال الشرقي وتحديدا في قرية “القراموص” التابعة لمدينة أبو كبير بمحافظة الشرقية ويعمل غالبية أهلها نحو 15 ألف نسمة في زراعة نبات البردي على مساحة 500 فدان وبعد جمع المحصول يتم تحويله الى ورق بطرق يدوية بسيطة كتلك التي كانت على عهد الفراعنة ثم بيعه عبر وسطاء لمحال خان الخليلي بالقاهرة التي تتولى وضع الرسوم المختلفة عليه وبيعه الى السياح الذين يقبلون على اقتنائه. مصدر رزق وتعد قرية “القراموص” ببيوتها القديمة وزراعتها للبردي وارتباط غالبية سكانها به كمصدر رزق بمثابة بيئة فرعونية خالصة يقبل على التردد عليها سياح أجانب وطلاب علم مهتمون بدراسة الحياة المصرية القديمة. ويقول حسن أبو عيسى 55 سنة: يزرع نبات البردي في قريتنا منذ سنوات طويلة ولعائده المالي المتميز يقبل الفلاحون عاما بعد آخر على زيادة المساحة المزروعة به حتى تكاد تكون كل ارض “القراموص” مزرعة بردي كبيرة. وأوضح أن البردي يتشابه في زراعته مع نبات الأرز فكل منهما يحتاج الى ارض خصبة وكميات وفيرة من المياه كما أن البردي سريع النمو ويصل طوله في المتوسط من مترين الى خمسة أمتار لافتاً إلى أن كل جزء في نبات البردي يستخدم وله مقابل مادي فالجذور تباع لشركات الأدوية حيث تدخل في صناعة عقاقير مختلفة كما تباع زهور البردي أو “الشوشة” التي تزين اعلى الساق لمحال الزهور في القاهرة. أما الساق فهي تستخدم في تصنيع ورق البردي حيث يتم تقطيعها الى أطوال ومقاسات مختلفة وفقا لاحتياجات العملاء. لوحات طبيعية ويشير أبو عيسى الى ان من أصحاب البازارات والقرى السياحية من يرغب في أطوال كبيرة ثلاثة أو أربعة أمتار لاستخدامها في تصنيع ورق بمساحات كبيرة يصلح لرسم لوحات طبيعية أو معابد فرعونية توضع كخلفيات في غرف الفنادق والقرى السياحية وهناك من يطلب مقاسات متوسطة تتراوح ما بين 50- 100 سم حيث يتم تصديره عبر وكلاء سياحيين الى أوروبا وأميركا. وتنتشر ورش تصنيع ورق البردي بكثرة في منطقة القاهرة الفاطمية والمملوكية خاصة في شارعي خان الخليلي والمعز لدين الله. ويقول احمد شعبان -37 سنة- صاحب ورشة ومرسم لتصنيع ورق البردي: اعمل في تلك المهنة منذ 10 سنوات وتعلمت أسرارها من خلال مشاركتي في عدة ورش تدريبية أقامتها وزارة السياحة لتدريب الشباب على الحرف اليدوية فاخترتها. وأوضح أن عملية تصنيع ورق البردي تبدأ بنزع القشرة الخضراء من حول الساق وتقطيع اللب الداخلي بواسطة خيوط من الحرير بعناية ومهارة للحصول على شرائح متساوية ذات سمك صغير. وأضاف: توضع شرائح البردي في إناء به ماء مغلٍ ممزوج بمادة البوتاس وبعد ان ينضج ويتحول لونه الى البني يتم نقل الشرائح الى حوض اخر به ماء ممزوج بالكلور ثم يتم إخراجها وتبدأ عمليات الطرق على الشريحة لفردها بواسطة “مدقة خشبية “ وبعدها ترص الشرائح على قطعة من القماش الأبيض النظيف تارة بشكل افقي وأخرى بشكل راسي الى أن تتخذ شكل الورقة المراد تصنيعها ثم نغطيها بقطعه قماش أخرى نظيفة وتحمل الورقة بعناية الى مكبس يدوي. دخل مناسب ويشير إلى أنه يتم الضغط على كل جزء في الورقة بهدوء من خلال قرص المكبس كي يجف الماء ويفرغ الهواء كليا من شرائح البردي فتحدث عملية التماسك بينها وبعد أن تجف تبدأ مرحلة أخرى وهي الخاصة بالرسم والكتابة على ورقة البردي بواسطة سن قلم مصنوع من البوص ودواة بها ألوان طبيعية كتلك التي كانت تستخدم على عهد الفراعنة وهناك من يلجأ الى طباعة رسوم بعينها بطريقة “الشابلونات” مثل الرسوم الإسلامية والقبطية أو المعاصرة أو تلك المتعلقة بأحد المشاهير أو لمرشح في الانتخابات. وقال إن جميع مراحل التصنيع تتم وفقا للطريقة اليدوية التي كانت تستخدم على عهد الفراعنة باستثناء المكبس الذي كان يستخدم في عهد الفراعنة من خشب التوت أما الآن فهو من الحديد الصلب. ويقول أيهاب عفيفي -37 سنة - إن الصانع الماهر ينتج في اليوم الواحد من 30 – 40 ورقة بردي خام أي ورقة فارغة بلا رسوم ورغم تخرجي في كلية التجارة فضلت العمل في تصنيع ورق البردي والرسم عليه نظرا لما تدره الحرفة من دخل مناسب مكنني من تحقيق أحلامي في الزواج وتكوين أسرة. وأضاف أن تعلم تلك المهنة ليس بالأمر الصعب فيكفي أن تكون محبا للبردي كي يمنحك أسراره خلال الشهور الثلاثة الأولى من التدريب في احدى الورش المتخصصة وبعدها يصير المتدرب صانع بردي محترفا. النساء أيضا من أعمار مختلفة اتجهن الى تعلم أسرار البردي وإتقان صناعته وتقول ولاء عبدالرحمن 23 سنة: تخرجت قبل عامين في كلية الآداب ولم أجد ما يمنع من العمل مع والدي في ورشة تصنيع ورق البردي لاسيما وانني الابنة الكبرى وخلال فترة وجيزة أتقنتها وصرت بفضل ما أمدني به والدي من خبرات قادرة على التمييز بين أوراق البردي الجيدة والرديئة من الملمس ودرجة اللمعان والليونة وامتصاص الألوان. فرصة الفتيات أوضحت ولاء أن حرفة تصنيع البردي تحتاج الى قدر من المهارة والذوق في اختيار الألوان المناسبة والإحساس بالجمال وذلك ما اتاح الفرصة أمام فتيات كثيرات لدخول تلك المهن واثبات جدارة في تعلمها والعمل بها سواء في ورش وبازارات. وقالت إن هناك فريقا من الشباب والفتيات من طلاب وخريجي كلية الفنون الجميلة وكذلك من يتمتعون بموهبة الرسم تعهد اليهم ورش تصنيع البردي بمهمة الرسم والطباعة حيث يحضر الشاب الى الورشة ويحصل على الأوراق ويقوم بالعمل عليها في بيته وعندما ينتهي يحضرها ويتقاضى أجرا يتراوح من 10 – 30 جنيها عن الورقة الواحدة حسب حجم الورقة ونوعية الرسوم أو الكتابة.