الأحد 28 نوفمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
اليمنيات يستبدلن التبرج بزينة الزهور والمشاقر
اليمنيات يستبدلن التبرج بزينة الزهور والمشاقر
الإثنين 4 مايو 2009 00:19

لم تعد الزهور في اليمن مجرد أوراق ملونة جميلة تبهج النظر، أو نباتات عطرية تنشر روائح شذية، بل أصبحت علاجا روحيا يرتبط بثقافة اليمنيين واليمنيات كمصدر للبركة وطارد للأرواح الشريرة، الأمر الذي يأخذ وظيفة مزدوجة ومقاربة مثيرة. ومثلت الزهور منذ القدم جزءًا رئيساً من الثقافة اليمنية، وتستخدمها النساء حتى اليوم في التزين وإبعاد الحسد و«ضربة العين» كما تكتسب هذه الزهور أهمية بالغة وحضورا في المناسبات العائلية. أداة الزينة تستخدم اليمنيات «المشاقر» أو الزهور للزينة في الأعراس والأعياد وغيرها من المناسبات.. وكانت الزهور في الماضي وحتى اليوم من أهم أدوات الزينة التي استخدمتها المرأة اليمنية لإبراز جمالها وحسن مظهرها في حين تعتبرها بعض اليمنيات مصدراً للبركة ولها قدرة على حمايتهن من الشر! تقول ياسمين أحمد: «تستخدم الفتاة اليمنية الزهور للزينة في حياتها العامة واليومية، وتستخدمها كذلك كتعويذة لإبعاد السحر والشياطين والعين والأرواح الشريرة». في حين ترى أم صالح: «الزهور هي عنوان المرأة اليمنية، ويجب على اليمنيات رد الاعتبار للزينة بعد أن بدأت ظاهرة التجميل بالتبرج «الماكياج» تطغى على نساء عصرنا». أما نبراس عبد القوي فتقول: «إن الزهور التي تحملها اليمنية تواجه معركة حقيقية في مواجهة المكياج! لذا تتعدد استخداماتها حسب المناسبات والعادات الاجتماعية في المناطق اليمنية المختلفة، فبعضهن يضعنها على الرأس والجبين واليدين، وبعضهن تزين شعورهن وحتى وجناتهن». سائحات معجبات لا يقتصر الإعجاب بالزهور اليمنية على اليمنيات وحدهن، بل تشاركهن السائحات الأجنبيات في الاستمتاع بها وتزيين شعورهن ومعاصمهن، وأحيانا حقائبهن. تقول أروى عثمان- رئيسة بيت الموروث الشعبي: «تفتتح المرأة صباحاتها اليومية بزهر عطري، دلالة الخير والخصوبة والحياة، فالزهور تحمل كل المعاني الجميلة، خاصة لأنها رمز البهجة التي نفتقدها، لذا لا غرابة أن نجد السائحات يتزين بها ويبحثن عن أماكن بيعها وكيفية استخدامها». فيما يقول محمد إبراهيم- إعلامي: «تتعدد زهور «المشاقر» أو نباتات الزينة العطرية مثل (الريحان، النرجس، الأثلان، الكراديس) وأنواع كثيرة تختلف روائحها وأشكالها الجميلة». ويضيف: «بمجرد أن تستعيد ذاكرتك صورة أكثر تفصيلاً عن سطوح المنازل «المشقرة» المزينة بالزهور ونبتة «الحبق» المتموضعة في الأواني الفخارية إلى جانب نبتة «الكراديس» وغيرها، تشعر أن تلك الزهور والنباتات لا تنتظر إشارة «نجم سهيل» ولا «بارق الصيف» ولا المطر، لتنمو وتزدهر، فهي معمرة ودائمة الخضرة، ورائحتها شذية على مدار السنة، لذا باتت الزينة الطبيعية للإنسان اليمني». زينة الرجال! يعتز الرجال بدورهم بزهور «المشقر» ويتزينون بها في مناسبات محددة، كما يزينون بها مجالسهم وزوايا الغرف. يقول في ذلك عبده علي عثمان- أستاذ علم الاجتماع: «إن «المشاقر» التي يتزين بها الرجال والنساء كل بأسلوبه وطريقته، يشتركان في استخدامها كرمز للفرح في المناسبات المختلفة، وهذه النباتات العطرية مرتبطة بالأفراح كارتباط الإنسان بالطبيعة، وهي شكل من أشكال الاهتمام بالمظهر، ودليل فرح وبهجة». مظهر «المشقر» إن طواف المرء أو زيارته لمناطق كثيرة في اليمن واطلاعه على هذه النباتات في كل منطقة -على اختلاف اسمائها من منطقة لأخرى- يجعله يحصد ثراء كبيرا من الفلكلور الشعبي الذي لا يزال في منأى عن أعين الدارسين والباحثين في مجال الاهتمام بالتراث والفلكلور الشعبي، خاصة إذا بحث بجدية في المراجع عن العادات والتقاليد التي يمارسها المجتمع اليمني في استخدام هذه النباتات العطرية.. والأغرب من ذلك أن هؤلاء الباحثين اهتموا بمظهر الرجل والمرأة على حد سواء، في دراسات طويلة عن الزي التقليدي. ولم تلمح أعينهم «المشقر» المغروز في «عمائم» المشايخ والصوفيين وعامة الناس. وكذلك «المشاقر» التي تحوط خدود الصبايا وتمتلئ بها الأسواق. حيث توجد أجنحة خاصة بهذه النباتات وأيام في الأسبوع تخصص لاقتناء زهور الكادي و»المشاقر» بأنواعها المختلفة، خصوصاً في أيام الأعراس فالنباتات العطرية في حد ذاتها مجال واسع وتحتاج إلى دراسة وتوثيق لها كتراث يمني أصيل يبدو أكثر ذوباناً في ظل العصرنة والموضة والنباتات والورود الصناعية التي تغزونا في كل صباح ونصادفها تستشري في طرقات ونوافذ المدينة! دراسة شعبية لا تتوفر دراسات عديدة تعنى بتوثيق عادات وتقاليد استخدام هذه النباتات الغنية والشعبية ذات الرائحة الطيبة سوى ما أشار إليه المؤلف والشاعر الكبير مطهر الأرياني في مؤلفه «المعجم اليمني» حيث جاء فيه: «إن «المشاقر» هي النباتات التي يتخذها الناس لتزيين رؤوسهم، وهي أضاميم الورد والريحان وغيره مما يتشقرون به طلباً للزينة والرائحة الطيبة، ويقوم الرجال المتشقرون بغرز تلك الأغصان في طيات ما يتعممون به من شالات و»سمايط» و»دساميل» وحتى يغرزون الزهور والنباتات في فتحات كوافي الخيزران، وقوافع «سعف النخل» وقد تجد شاباً تهامياً غرز «المشقر» في شعره وثبته بذلك الطوق الفضي المسمى «العكاوة»، وقد يتشقر البعض بطوق يظهره من أغصان بعض النباتات الطيبة ويتوج بذلك الطوق رأسه مثل إكليل الغار، ولشدة ميل الناس إلى هذا التزين فقد تجد البائس حاسر الرأس الذي لا عمامة له ولا عكاوة! فيغرز «المشقر» في شعره ويثبته بخيط، ويسير متخايلاً به. كما كان النسوة يتشقرن بوضع تلك الأضاميم من الزهر والأغصان من الريحان بجانب خدودهن ظاهرة خلال ما يضعنه على رؤوسهن من خُمُر». أغان ومعان تغنى شعراء اليمن بتلك الزهور «المشقر» كما في قول أحدهم: «بالكادي المسقى.. في برود الغلس.. وأعطاها المشاقر حرس» كما ذكرت هذه النباتات أو «المشاقر» بصيغها المختلفة في كثير في المقولات الشعبية والأغاني القديمة. فمن أغاني التراث الشعبي الصنعاني، هناك أغنية يقول مطلعها: «من مشقرك بالفل والياسمين.. ومن غرس في الخد ورده». هكذا تعبر الزهور عن مفهوم ذاتي للحب والفرح، وقد يرى غيره في هذه الزهرة عينها شيئا مختلفا، بل تفاوتت رمزية الزهور داخل الثقافة الواحدة من منطقة لأخرى ومن زمن لآخر. وإذا تلفتنا إلى أحاسيس العشاق، وأملينا النظر نجد أن لغة الزهور ملأى بصور التعبير المختلفة التي تمثل معاني الهوى، وغليان العواطف، وعدم استقرارها على حال، كما تعبر عن فرحة المغرمين بالرسائل التي تبشر بقرب المزار ونعيم السعادة فيه، فالزهرة في سيم العشاق تبكي عنهم، وتعلن الأسى، وتظهر الحرقة والجوى، وتبرد القلوب، أو تزيدها حرارة وتوهجًا، أو تحمل معاني الغيرة والشك والريبة والقلق.

المصدر: صنعاء
الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©