حنا عبودقبل منتصف القرن العشرين، في مدينتنا حمص، كنا صغاراً نتأمل من بعيد رجالاً متقدمين في السن، يجلسون خلف مكتب من صنع يدوي بسيط جداً، يغطي الكرتون جوانبه، ومكتوب على الجهات الثلاث «عرضحالجي» ويأخذ كل واحد منهم مكاناً، لا يتعدى غيره عليه، وإلا حدثت مشكلة خطيرة، إلى درجة أن أحدهم رمى المعتدي على مكانه بإبريق من السوس البارد، فشق جبين الآخر، وبعد الشجار جلس كل واحد يكتب عريضة بحق المعتدي. معظمهم يضع الطربوش التركي القصير والمائل، وبعضهم يضع العمامة العربية المعروفة، ولم يكن حاسرو الرأس إلا قلة، لكنهم تكاثروا بعد ذلك حتى لم نعد نرى المتطربشين ولا المتعممين. حل الجيل الشاب محلهم، ولا نزال حتى اليوم نرى واحداً أو أكثر أمام السرايا. تضاءلت الأعداد، واقتصرت العرائض على طلبات فردية يلبيها المحافظ أو معاونه، ولم تعد المحاكم الرسمية تقبل منهم أي عريضة. لم نكن نعرف أول الأمر معنى «عرضحالجي» فكنا نقول عرض حلجي أي يعرض نفسه، وهو العامل السابق في المحالج، لوظيفة جديدة. كنا نظن - لتقدمهم في السن - أنهم محالون إلى المعاش من مصلحة حلج الأقطان. وكان القطن في تلك الأيام منتجاً أساسياً. لم نكن نعرف قبل التأميم أن هذه المحالج للقطاع الخاص. ولما ارتقينا في المرحلة الابتدائية سألنا «المعلم أنطون» عن هؤلاء فشرح لنا معنى الكلمة المركبة، وأن هذا جائز في اللغة، كما شرح لنا عملهم، وبخاصة عرائضهم في طلب الطلاق، وما يتبعها من فكاهات أحياناً، وعواقب سيئة في أحيان أخرى. كان أخوه محامياً يطلع على العرائض التي يقدمونها، وما فيها من كلمات متفاصحة تربك القاضي في بعض الأحيان. اللواحق وأهميتها لم يقل لنا المعلم أنطون وقتها إن «جي» لاحقة تركية، بل قال إنها لغة العامة، الذين يجهلون اللغة الفصحى. ولم نسأله وقتها عن الفصيح المقابل لهذه الكلمة المركبة. قابلناه بعد أن تقدمت به السن كثيراً فسألنا عن المقابل فأجاب «شكوجي» أي كاتب الشكوى، فلم يستغن عن اللاحقة التركية. أما في العربية فنستخدم ياء النسبة أو اسم الفاعل للدلالة على من وقع منه الفعل. وعندما كبرنا ارتبكنا، وصرنا نناقش كيف ننسب إلى حضرموت، وتأبط شراً والولايات المتحدة الأميركية... وإذا نسبنا إلى «خليل» كيف نتجنب اللبس بينها وبين أطلال الشعر العربي الذي يخاطب الخليل والخليلين، من دون استخدام الجمع ولا في بيت شعري واحد. وربما لا يزال طلاب الجامعة في قسم اللغة العربية يطرحون ما كنا نطرحه منذ أكثر من نصف قرن. كنا مجموعة زملاء في المرحلة الابتدائية، وفرقتنا الظروف، ولكنا عندما كنا نلتقي - وقد كبرنا سناً ووعياً - نتذكر العرضحالجي والمعلم أنطون. فأشار أحدنا، وهو أوعانا في الحياة العملية، إلى أن «جي» لاحقة تركية جميلة جداً، وواضحة جداً، على عكس الانقلابات العسكرية التركية الغامضة - في ذلك الوقت - ويجب على المجمع اللغوي، بل المجامع اللغوية كلها في العالم العربي، أن تأخذ بهذه اللاحقة. وعندما عرضنا اللاحقة على أستاذنا الدكتور شكري فيصل، أجاب بلغته الدبلوماسية الرزينة «لا يستطيع المجمع أن يعاند الضرورة اللغوية، وما أباحه القدامى لأنفسهم، لا بد أن نبيحه لأنفسنا» وبالطبع وعد بنقل المقترح إلى المجمع. نحن متأكدون أن الاقتراح وصل في وقته في أول ستينيات القرن الماضي، ولكن الموت غيب أستاذنا، ولم يعد أحد منا يسأل عن مصير اللاحقة التركية. بعد ذلك قلّ نقاشنا حول اللغة. فقد شغلنا النقاش حول الأنظمة الشمولية، فجرى الاهتمام بها أكثر من التيسير اللغوي الذي كنا ننشده. العربجيأسأنا فهم الكلمة المركبة «عرضحالجي» وسألنا عنها، ولكننا لم نسئ فهم كلمة «عربجي» فهو سائق العربة... هكذا بكل بساطة، ولكن عندما كبرنا عرفنا أن العربة كلمة غير عربية. ودهشنا عندما عرفنا أن سائق العربة يسمى «الحوذي» وهو النهر السريع، ولا ندري ما الرابطة بين العربة والحوذي، باستثناء الحركة. وليس من الضروري أن تكون قيادة الحوذي دائماً سريعة حتى نسميه الحوذي. أليس الأفضل أن نجد حيلة ما تجعل اللغة المنطوقة متطابقة مع منطقها الواقعي؟ لما انخرطنا في الحياة العملية صرنا ننتبه إلى الكلمات التي كان تعاملنا يستجرها إلينا فهناك الكومجي (مصلح إطارات السيارات، وقد سمعت على الطريق العام إلى حلب كلمة «بنشرجي» بدلاً من الكومجي) وهناك المطبعجي (العامل في طباعة الورق) والمصففجي (الذي يصف الأحرف في المطبعة) والورقجي (الذي يرتب الورق للطباعة أو لغير الطباعة وهو يختلف عن الوراق بائع الكتب في العصور القديمة) ولو بقينا في مجال الطباعة لوجدنا عدة كلمات تلحق بها اللاحقة. كما عرفنا أن سائر المهن التي ليس لها اسم فاعل في العربية أو التي تضطر إلى أكثر من كلمة للدلالة على من وقع منه الفعل، يمكن أن تأتي بهذه اللاحقة السهلة وتضعها في نهاية الكلمة، ليس العربية وحدها بل الفرنسية والإنجليزية والطليانية وسواها، فمثلاً تقول كندرجي وإفرنجي وسفرجي (المهتم بالسفرة وترتيبها) وجوهرجي وإكسسوارجي (العامل في بيع قطع الإكسسوار) والنوفتجي (بائع النوفوتيه) واللانجرجي (بائع الثياب الداخلية) والعطرجي (بائع العطر الذي يركبه على يده ومعه الجاهز أيضاً). والخضرجي والمجبنجي والجلبجي والقهوجي والمكوجي والرتقجي والعلبجي والحلونجي والحلبجي والنوبتجي والقانونجي (عازف القانون) والبزقجي والقبنجي (مال قبان) والدوزنجي (خاص بميزان السيارات) والبستنجي (المختص بالبساتين) والخضرجي (المختص بالخضار)... وعلى هذا يمكن قياس الكثير من المهن. الحياة الشعبيةيبدو أن هذه اللاحقة نابعة من قلب الحياة الشعبية، لأن معظم الكلمات التي لحقتها «جي» تخص الشارع والحياة العامة. فمثلاً تلحق «جي» بكلمة مشكلة العربية فتدل على مفتعلها ومثيرها فنقول مشكلجي، وإذا أردنا الفصيح المتداول اضطررنا إلى استخدام كلمتين «مثير الشغب». وتلحق بالكلمة التركية المعربة أونطة أو عونطة فنقول أونطجي أو عونطجي... وهي كلمة شائعة جداً في الأوساط الدنيا. وتكثر كلمة فوايظجي وهو الميسور الذي يقرض بالفائدة أو هو المرابي. والعادة أن تكون الفائدة مرتفعة جداً، وإلا ما كان أطلق عليه اللقب لو كان في حدود المقبول والمعقول. وكلمة بويجي أشيع في الأوساط الشعبية وغير الشعبية من «ماسح الأحذية» التي يستخدمها أهل اللغة الفصحى، بما لا يقاس. وحتى اليوم يقال «مكوجي» ولا يقال منظف الثياب وكاويها. وكانت البيوت في تلك الأيام من الطين، إلا القليل في وسط المدينة، فكانت المزاريب تلف السطح بأقنية من التنك لتتجمع في هذا المزراب أو ذاك. وكثر صناع المزاريب والصفائح والأباريق فقيل لصانعها «التنكجي» الذي كان يصنع كل هذه الأشياء من دون الاستعانة بسوى الكاوي والقصدير ووابور الكاز بريموس. وعندما يشيد «المعمرجي» بيتاً من حجر يشترط على صاحبه أن يأتي بالتنكجي فلان حصراً، حتى لا يضيع عمله المتقن بتنكجي غير متقن لصنعته. وشاعت المحامص، وصاحب المحمصة يقال له «المحمصجي» وهكذا. وكانت الخمارات قديماً في ظاهر البلد، فظهرت الكلمات الخاصة بهذه المصلحة فالخمرجي هو صانع الخمور والسكرجي هو المواظب على شرب الخمر. وبالقرب من سوق اللحامين كانت القدور الكبيرة تنتشر وفيها ما يسمى «الكوارع» وهي أطراف الدابة تسلق ويحضر منها مرق له نكهته الخاصة، فيسمى بائعها «الكوارعجي» وبالقرب منها بعض المناضد البدائية عليها يتناول المياومون في الصباح الباكر فطورهم من الكوارع. هذه اللاحقة تكثر في بلاد الشام كلما اقتربت من حلب وتركيا، وتقل في الجنوب، حيث لا يعرفون كلمة «يالنجي» بل «يبرق صيامي». قاعدةبحلول الانتداب الفرنسي ظهرت الوظائف الحديثة في الدولة، ولم يلحق بالأسماء «جي» فهناك الجابي والمدير والموظف والآذن والمراقب ورئيس الدائرة ورئيس القسم وهكذا. وحتى المصطلحات السياسية والفلسفية لم تدخلها هذه اللاحقة فلم نسمع بغير لاحقة المصدر الصناعي الديمقراطية والدكتاتورية والبيروقراطية والشيوعية والوجودية... وجرفت الحداثة اللغة بطريقها، وتراجعت اللاحقة التركية من لغة التخاطب الرسمي، ولكنها ظلت في الأحياء الشعبية، تضاف إلى الصفات والأسماء للحكم على أصحاب السلطة، من رئيس البلدية إلى رئيس البلاد. فإذا لم يعجب العامي هذا أو ذاك من المسؤولين أطلق عليه ما يطلق على العامة، فلا يتورع من أن يقول عنه «زعبرجي» أو «مصلحجي» أو «دواونجي» أو «جقمرجي» إذا كان سياسياً معارضاً مجادلاً.. أو غيرها من الألفاظ العامية، فاللغة السياسية الحديثة السريعة التطور قد تتقبل اللاحقة. وهناك من يقول إن المستبدين الفرديين والأحزاب الشمولية لا يعرفون من اللواحق سوى لاحقتين: الفساد وتدمير المكان والسكان. والقاعدة التي يجب اتباعها هو أن تأخذ ما بحاجة إليه. فهل نحن اليوم بحاجة إلى هذه اللاحقة؟ لو استخدمنا هذه اللاحقة لتخلصنا من كلمات زائدة لسنا بحاجة إليها. وحتى الكلمات الحديثة تقبل هذه اللاحقة بكل ترحاب، فكلمة «كومبيوترجي» تغنينا عن «مصلح الكومبيوتر» وكلمة «دوزنجي» تغنينا عن «مصلح ميزانية السيارة» و«الرادياترجي» تغنينا عن «مصلح الرادياتور»... وعندما تتوازى كلمتان فالمرء حر في استخدام ما يريد من أمثال «تورنجي» أو «خرّاط» وإن كان التورنجي مختصاً بخراطة الحديد بينما الخراط يختص بخراطة الخشب... ذهبت العربات وذهبت معها كلمة «عربجي» التي كانت على كل شفة ولسان، وحولها وحول «العربية» ألفت الأغاني المشهورة في بلاد الشام ومصر. ولكن بقي الشيء الكثير الذي نستخدم له كلمتين أو أكثر. فما المانع - على سبيل المثال - من أن نقول «دكنجي» بدلاً من الكلمتين «صاحب الدكان»؟ أليست اللغة تلبية للضرورة؟ بالطبع سيقول المعترض: أزل الفساد والتدمير يصبح كل ما هو جميل ممكناً. هامش مهن وتسميات يطلق على الانتهازي بالمفهوم السياسي اسم مصلحجي. وقد غزت الطبقة الحاكمة، وخاصة في حالات الانهيار والإفلاس، حيث يظهر ويتكاثر وقتئذ أهل الكدية في الطبقات الدنيا وأهل المصلحة من الانتهازيين في الطبقات العليا. وفي هذا الظرف تكثر أعداد الشطار والعيارين، وتكثر أنواع المكائد والاحتيالات وسرقة الأشياء الصغيرة، فتكثر الخردوات (خردجي) وتكثر البطولات الجوفاء (بهورجي: البهور هو الأسد، فالبهورجي هو المتفاخر بصفات لا يملكها) ويمكن الاستعاضة عن بهورجي بكلمة منفخجي وهو كل من يتفاخر ويتباهى من دون جدارة. ويهرع العمال إلى الموانئ للعمل (بندرجي) وفي الميناء والمطار ـ في تلك الأيام ـ يكثر الصرافون، كل واحد له طاولة صغيرة يواظب خلفها ليلاً ونهاراً تقريباً، في أيام الأعياد. وشاعت كلمة «مصرفجي» لتدل على الانتباه والدقة في الحساب، فإذا كان غشاشاً وقام بألاعيب سمي «زعبرجي» ولم تقف هذه الكلمة عند هذا النوع من العمل وإنما صارت تطلق على كل من يقوم بأفانين الشطار والعيارين، ويحتال على الناس لكسب معيشته، بشرط ألا يكون من أهل الكدية. وكلما اقتربنا من الساحل كثر التبغ والتنباك، وكان مزارعوه يبيعونه سراً بعد إنشاء مصلحة الريجي، وكان البائع يعرف من مكان وقوفه أو مشيته، ويقال له «تنبكجي». أما المختص بصنع القهوة فهو (القهوجي).