طارق الهاشمي لم يعد "إخوانياً"
تاريخ النشر: الأربعاء 24 فبراير 2010دعت السفارة العراقية بلندن إلى لقاء (28 يناير 2010) مع نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، قدمه فيه القائم بالأعمال عبد المهيمن العريبي. ولا أخفي قلقي، وأنا أتجه إلى مكان اللقاء، من أن يتولى ممثل حزبه أو شخصية من طائفته، من خارج السفارة، أمر تقديمه، مثلما حصل مع مسؤول آخر، من قَبل، مما أضطر شخصيات لعدم دخول قاعة اللقاء، وعادوا أدراجهم، لأنهم أرادوا الاحتفاء بمَنْ يمثل العراق لا الحزب أو الطائفة. أقول ذلك بما يخص الرئاسات الثلاث الكبرى والوزارات على الأقل. تحدث الهاشمي عن الحاجة الملحة للتحول من دولة المكونات إلى دولة المواطنة، ويُسجل لنائب الرئيس مأثرتان نحو هذا الهدف: الخروج من جبهة التوافق السُنَّية أولاً، والاستقالة من الحزب الإسلامي العراقي ثانياً. فالأولى جبهة الطائفة لا المواطنة، والثاني حزب الطائفة لا المواطنة أيضاً، وهذا يشمل الأحزاب الدينية والقومية كافة، فهي أحزاب طوائف لا مواطنة. وعلى وجه الخصوص الأحزاب العقائدية الشمولية، فمهما زينت خطابها، وغيرت في شعاراتها يبقى جوهرها طائفياً. وكم حاولت شخصيات دينية سياسية أن تخلق حزباً دينياً على أساس المواطنة لكنها فشلت. لهذا يُسجل للهاشمي، وسواه من الشخصيات، مأثرة تجاوز التحزب الطائفي الأضيق إلى العراقي الأرحب، فما أن أخطأ حزب سُنّي الهوية إلا وعمم ذلك على السُنَّة كافة، وكذلك بالنسبة للحزب الشيعي، وهذا ما حصل فعلاً. لكن، من وعي سياسي لم يبق فرع "الإخوان المسلمين" العراقي، والذي كان الهاشمي أمينه العام (2004 -2009)، أسير سياسة "الإخوان" بمصر والأردن وفلسطين وغيرها من الفروع، بل تعامل مع الواقع العراقي مستقلاً. ومن جهة أخرى فما بين المرشد الأول لإخوان العراق محمد محمود الصواف (ت 1992) ومرشدهم ما قبل الأخير (الهاشمي) بون شاسع، كون الأول رجل دين من الأساس، وينطلق من السعي إلى الدولة الدينية، واعتمر العمامة الأفغانية، يوم ظهر خطيباً في المجاهدين الأفغان، ولم يتأخر عن محاولة إيذاء علماء عراقيين بتهمة الانتماء إلى اليسار، دفعهم العنف الأعمى، سنة 1963، إلى ترك جامعة بغداد، والبحث عن العمل بالمملكة العربية السعودية، ومما كان للشيخ من خلاف مع تلك الفئة، لكن موقف وزير المعارف السعودي حسن آل الشيخ طمعاً بعِلم النَّحوي مهدي المخزومي، والناقد علي جواد الطاهر، والفنان خالد الجادر، والأديب باقر سماكة وغيرهم، لم يسمح للصواف بالانتقام. بمعنى أن "إخوان" العراق الأمس ليسوا هم اليوم، لا يسعون إلى دولة دينية ولا لطلب الثأر. وفي تحول كبير لدى الهاشمي أعلن، بعد تجربة قاسية من التعثر في إعادة بناء الدولة، التقييم الآتي: أن "تسييس الدين في التجربة الواقعية أثر بالسلب على واقع الأحزاب الدينية". ثم يعود ويقول: "هل الأحزاب تبنت المشروع الديني أم لا! حزب الدعوة أو المجلس الأعلى لم يطرحا في مشروعهما السياسي نظام دولة ولاية الفقيه، ولا الحزب الإسلامي الذي هو طرف في الاتهام طرح في مشروعه السياسي مسألة العودة إلى الخلافة الإسلامية، الكل يطرح أنموذجاً وطنياً، الإشكالية هي في الممارسات الخاطئة لكونها أعطت انطباعاً للشعب العراقي أن هذا هو السلوك الإسلامي» (لقاء مع جريدة "المدى" البغدادية). ومع ظننا أن "المجلس الأعلى" لم يكن حزباً، لكن، سؤال الهاشمي يُرد عليه بسؤال أيضاً: إذا حذفت تسييس الدين فماذا يبقى من الحزب الديني؟ أما الاستقلال عن بقية فروع "الإخوان المسلمين"، وهو قطعاً لصالح التجربة العراقية، فأفصح عنه الأمين العام أسامة التكريتي قائلاً: «ليس هناك علاقة بين الحزب وبين أي جهة خارج الوطن من الناحية التنظيمية، إلا أننا نستثمر كل إيجابية في العلاقات مع الآخرين» (موقع إسلام أون لاين). فبعد سقوط النِّظام نقل "الإخوان" العراقيون تنظيمهم إلى الداخل، ووصفوا مشاركتهم السياسية بـ«الظهور من جديد». ولم يسلموا من اتهامات رفاقهم المصريين والأردنيين القاسية، فالعداء للغرب عند "الإخوان" المسلمين، على ما يبدو، مرض لا سياسة. بدا لنا اللقاء بالهاشمي حرجاً، ونحن نتفحص اختلاف أمزجة الحاضرين ومواقفهم من الوضع القائم، بين راضٍ إلى حد شكر النعمة، التي كان سببها الأميركيون، وبين ساخط بلا قيود، لكن الملاسنات والاشتباكات بالأيدي، التي كانت تمارس أيام المعارضة أخذت تتحول تدريجياً إلى جدل لا مشاكسة، فلم يقف أحد ويرمي الهاشمي، كنائب رئيس في حكومة بلاده المحتلة، بتهمة العمالة، ولم يعد القائم بالأعمال يخاف طرده إن وجهت تهمة ما لأركان حكومته وبحضوره، وتلك واحدة من فضائل الحالة القائمة. ومع استحساني لِما أدلى به الهاشمي، في هذا اللقاء، إلا أني أسجل عليه نقطتين: قدم نفسه، من خلال حديثه، كمعارض، وليس أحد أقطاب المؤسسة الحكومية، ومن الفاعلين فيها، فعندما اعترض على قانون الانتخاب، في وقت حرج، وقفت بغداد مضطربة لاعتراضه، ويتطلع الجميع لموافقته أو رفضه. والثانية: أن نائب الرئيس أكثر المسؤولين دراية بما فعله النَّظام السابق، فهو أتى إلى المسؤولية العليا من داخل العراق لا من خارجه، وهو الشاهد، غير الراضي حينها، على ما فعلته آلة ذلك النَّظام، لذا يصعب الحديث عن الخراب الحالي من دون الإشارة إلى الكبائر السابقة. أقول هذا ولست متهماً نائب الرئيس بتبرئة ذلك النَّظام، أو من قبيل ذلك، فالرجل كان منتمياً لحزب سري، ومعلوم ما معنى الانتماء لحزب سري في ذلك العهد. صحيح أن الهاشمي كان يطلب الخلاص من ذلك القهر لكن بطريقة غير الغزو الأميركي، ونحن معه، لكن ما أتى بالغزاة هي حماقات النَّظام نفسه. لهذا، من أجل نيل ثقة الآخرين، وهم أغلبية النَّاس، ومن مختلف الطوائف والأعراق، الاعتراف بآلامهم ومعاناتهم آنذاك، وبطبيعة الحال، التوسط مطلوب، لا السكوت عن جرائم وفظائع سابقة، ولا محاولة رفعها يافطة لستر فظائع استجدت. أرى الهاشمي الآن على الجادة الصواب، ففقد شقيقيه وشقيقته، في العنف الطائفي، ومنه ثمناً لمشاركته في الوضع السياسي، يكفيه دافعاً شخصياً إلى المناداة بدولة المواطنة لا دولة المكونات، وقد قَدمَ لها بالابتعاد عن الترشيح على أساس الطائفة، وأكثر من هذا لم يعد إخوانياً، فلو رفع هذا المطلب من داخل "الإخوان المسلمين"، أو أي جماعة محصورة بالطائفة، لشك بمصداقيته.
|