• السبت 05 شعبان 1439هـ - 21 أبريل 2018م

د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الخلايا الجذعية.. طفرة الطب الحديث

تاريخ النشر: الخميس 22 مارس 2018

قبل وقت ليس بالبعيد، ارتبطت أبحاث الخلايا الجذعية بآمال كبيرة، تمركزت حول قدرة هذه الخلايا الفريدة على أن تغير وجه الطب الحديث، لتتمكن يوماً ما من علاج أمراض مستعصية، عجز الأطباء والعلماء دائماً عن علاجها. وبلغت تلك الآمال ذروتها عام 2012 مع منح جائزة «نوبل» حينها، للعالم البريطاني «جون جوردون»، مشاركة مع الطبيب والجراح الياباني «شنيا ياماناكا» تقديراً لجهودهما وأبحاثهما في مجال الخلايا الجذعية أو خلايا المنشأ، وما نتج عنهما من اختراقات مهمة في هذا المجال، اعتبرت بداية الطريق لثورة محتملة في الطب والعلاج.

وإن كانت تلك الآمال تعرضت لنكسات عدة مرات، بسبب سقطات علمية، وصلت أحياناً إلى درجة النصب والتزوير الصريح. إحدى تلك النكسات أو السقطات تجسدت في إعلان علماء أحد المراكز العلمية في اليابان بداية ربيع 2014، عن نيتهم سحب دراسة كانت قد نشرت بداية العام نفسه، وأحدثت ضجة علمية وإعلامية غير مسبوقة. نتائج تلك الدراسة، زعمت أنه من الممكن تحويل الخلايا العادية، من خلال تعريضها لصدمة كيميائية أو ميكانيكية، إلى خلايا جذعية، وهو ما اعتبر حينها أسلوباً أبسط وأقل تكلفة، مقارنة بالأسلوب المعتمد على إحداث تغيرات في التركيبة الوراثية للخلايا، بشكل يدفعها إلى الارتداد إلى مرحلة الخلايا الجذعية. ويتميز هذا الأسلوب -والذي فقد مصداقيته - بكونه ينأى عن الجدل الأخلاقي المرتبط بأسلوب الحصول على الخلايا الجذعية من الأجنة المجهضة.

ولكن على ما يبدو أن تلك الآمال استعادت بريقها مؤخراً، مع تواتر الدراسات الحديثة التي تثبت القدرات الهائلة الكامنة في هذا المجال العلمي الحديث. آخر تلك الدراسات والتي أجراها أطباء واحدة من أعرق وأشهر مستشفيات طب العيون في العالم (Moorfields Eye Hospital)، تمكن خلالها أطباء المستشفى الواقع في لندن، من استعادة بصر مرضى مصابين بنوع خاص من فقدان البصر، ينتج من ضمور وتحلل مركز شبكية العين، ويعتبر من أهم أسباب فقدان البصر وأكثرها انتشاراً، وخصوصاً بين كبار السن، حيث يقدر مثلاً أن 8 ملايين أميركي مصابين بالمراحل الأولى من ضمور مركز الشبكية، وفي بريطانيا يصيب هذا المرض أكثر من 600 ألف شخص، ويعتبر مسؤولاً عن أكثر من 40 في المئة من حالات فقدان البصر بين البريطانيين في العقدين السادس والسابع، وعلى المستوى العالمي يعتبر ضمور مركز الشبكية ثالث أهم أسباب فقدان البصر.

وتعود تسمية هذه الخلايا إلى جذع الشجرة، أو الأصل الذي تنبثق عنه الفروع، في إشارة إلى أن جميع خلايا جسم الإنسان، على اختلاف أنواعها، وتعدد وظائفها، تعود في أصلها ومنشأها، إلى مجموعة قليلة من الخلايا في الجنين البشري، ولذا أحياناً تسمى بخلايا المنشأ. وأمام قدرة هذه الخلايا على التحول إلى أي نسيج أو عضو، فكّر العلماء في توظيفها، وتوجيهها، لتكوين أنسجة أو أعضاء، جديدة وسليمة، بحيث تصبح مثلها مثل مصنع لقطع الغيار البشرية، لاستبدال ما تلف وما فشل من الأنسجة والأعضاء.

وتمكن الأطباء البريطانيون من استعادة بصر هؤلاء المرضى من خلال حصد خلايا جذعية من أجنة، ثم نقلها وزراعتها في أطباق معامل، لتكون شريحة أو رقيقة من الخلايا. ومن خلال عملية جراحية دقيقة، تمت زراعة هذه الشريحة الخلوية خلف مركز الشبكية، لاستبدال الخلايا الضامرة والتالفة، ومن ثم استعادة الرؤية لحد كبير.

وعلى المنوال ذاته، وخلال الأسبوع نفسه، وضمن فعاليات المؤتمر الأوروبي لزراعة نخاع العظام، عرضت نتائج دراسة، تمكن فيها العلماء من علاج مرض التصلب المتعدد بالاعتماد على الخلايا الجذعية. والتصلب المتعدد هو مرض من أمراض المناعة الذاتية، يصيب المخ والنخاع الشوكي، ويؤدي لاضطرابات عصبية متعددة، في الحركة، والإحساس، والتوازن، والرؤية. وتم علاج تلك الحالات من خلال تدمير خلايا نخاع العظام بالكامل والتي تشكل المكون الرئيس في جهاز المناعة المختل، باستخدام نفس العلاج الكيميائي المستخدم في علاج الأمراض السرطانية، ثم حقن المرضى بخلايا جذعية، تعيد بناء جهاز المناعة من جديد بشكل سليم، وتخلص المرضى من مرضهم بشكل نهائي.

مثل هذه الإنجازات والاختراقات تثبت بشكل قاطع، أن الآمال التي علقت على مجال الأبحاث العلمية المرتبط بالخلايا الجذعية، لم تذهب سدى، بل ربما يشكل هذا المجال، الحديث نسبياً، العمود الفقري لاستراتيجيات علاجية لم تكن تخطر على البال قبل بضعة عقود، ويبشر ببزوغ فجر أساليب وتقنيات تغير من الواقع الطبي الحالي بشكل جذري.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا