• الخميس 07 شوال 1439هـ - 21 يونيو 2018م

محمد حسن الحربي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

السلاح ليس بديلاً عن الفكر

تاريخ النشر: الثلاثاء 13 مارس 2018

في ستينيات القرن الماضي كان جزء من العالم يتخوّف إرسال شبابه إلى الاتحاد السوفييتي، للدراسة أو التجارة، خشية أن يقوم الروس بغسل أدمغتهم وتحويلهم إلى شيوعيين (لا يؤمنون بالله)، ويجعلونهم يتشربون مؤلف (الاقتصاد السياسي للألماني كارل ماركس)، حتى إذا عادوا لاحقاً هؤلاء (الملحدون) إلى أوطانهم، نشروا أفكارهم (الهدّامة) التي اكتسبوها من هناك، ودفعوا شعوبهم إلى اعتناق الفكر الاشتراكي، أو الفكر الشيوعي.

الجزء الآخر من العالم كان يتخوّف وبالنسبة ذاتها، إرسال شبابه إلى الولايات المتحدة الأميركية، خشية أن يتحولوا إلى رأسماليين (فاسدين)، يتشربون مؤلف (فائض القيمة للإنجليزي آدم سميث)، حتى إذا ما عادوا إلى أوطانهم، دفعوا الناس ليكونوا رأسماليين، يؤلّهون المال، ويناهضون الفكر الاشتراكي الشيوعي، ويستبد بهم عطش لا إنساني إلى مراكمة الربحيّة وأكل الأخضر واليابس بطرق وأساليب شتى. حدث هذا منذ ستين عاماً مضت. في القرن الواحد والعشرين، تغيّرت أمور وتبدلت أحوال كثيرة، ولم يعد هنالك شيء من ملامح الستينيات (الفكريّة)، كأنما ألغيت تلك الحقبة الزمنية بكبسة زر، لتصبح بعدها الدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء، تتعامل فيما بينها بسلع جديدة أهمها سلعة واحدة بارزة؛ فبدلاً من سلعة واحدة كانت هي الفكر في الستينيات، تتحدى بها وتعمل على تجويدها لجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وتعمل على نشرها وترسيخها في المجتمعات البشرية المستهدفة، بدلاً من تلك السلعة الإنسانية، أصبحت الدول اليوم تتعامل فيما بينها بسلعة جديدة وحيدة هي السلاح؛ تعمل على تطوير أنواعه، وابتكار الجديد منه لجعله صالحاً يلبي رغبات كل الأسواق، وجميع الشعوب والبلدان.

يحدث هذا اليوم، وكان قد بدأ مبكراً؛ فقد جرى استبدال مجاميع المفكرين والمنظرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع، بمخططين سياسيين وعسكريين، وجنود مدربين على استخدام السلاح. القوى العظمى التي كانت خطورتها في فكرها، أصبح اهتمامها اليوم منصباً على السلاح وبيعه وترويجه، وإتخام الأسواق به، إلى حد أن الفائض قد تجده في المدارس بين الطلبة في بعض البلدان، وحتى المدرسين الذين يتوجب عليهم تقديم المعرفة والعلم والحكمة، وزراعة القيم الخيّرة والحميدة في نفوس الطلبة، أصبح من الجائز حملهم للسلاح في المدرسة والجامعة أثناء التدريس.

كل الحروب الكبيرة والمتوسطة، العالمية والإقليمية، التي قامت وهدأت ثم تحركت مجدداً وهاجت، في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، ويوغسلافيا وفلسطين من قبل، المدنيون وحدهم كانوا الوقود والضحايا فيها؛ صحيح أننا في كل مطلع شمس، نجدّد صلابة إرادتنا ضد الإرهاب ووحشيته بكل أشكاله ومسمياته، لكنّا في ذات الوقت، لسنا مع قتل البشر الأبرياء، حرقهم أفراداً وجماعات، أو تركهم يختنقون تحت ركام المدن المدمرة؛ في الموصل جرى القضاء على الإرهاب، نعم، لكن المدنيين بالمئات ما زالوا تحت الأنقاض، في الرقة، دحر الإرهاب منها وولىَّ، صحيح، لكن المدينة اختفت عن الخارطة، ناهيك عمن لا يزال تحت أنقاضها يكابد الاختناق، تلك مدن لم يعد إليها أهلها إلى الآن، ولم يتحدث عنها أحد إلى الآن! من حق العالم اليوم أن يسأل، في الأقل، القوى العظمى: في الثلاثين أو الأربعين سنه الماضية، ما الذي قدمته روسيا من فكر؟ ما الذي قدمته أميركا من فكر؟ ما الذي قدمته أوروبا من فكر؟ الجواب.. لا شيء سوى السلاح. حسناً، هل استخدام السلاح إلى ما لا نهاية سيحل مشكلات العالم كلها؟!

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا