• الخميس 06 جمادى الآخرة 1439هـ - 22 فبراير 2018م

خالد عمر بن ققه

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

أهْواء العرب وهويَّاتهم!

تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

التغيرات الحاصلة في الدول العربية تجاوزت مرحلة التأقلم مع التطورات على الصعيد العالمي، إلى اقتلاع الجذور، مع الاعتراف المسبق بوجود حالات قليلة تشي بنوع من الثبات في وجه العواصف، لكنها محدودة في بُعْديْها الزماني والمكاني، والحديث هنا لا يصف الواقع العربي، وإنما يصرخ ويَسْتَصْرِخ الحاملين لوعي بالشّراكة في المصير الذي آلت إليها أوطاننا، كل حسب موقعه ودوره ووظيفته، وذلك لإنقاذ الهوية، من غطرسة الأهواء.

الحديث عن الهوية والانتماء شكّل في الفعل السياسي العربي، وحتى في الأدبيات السياسية على مستوى التنظير، عامل قوة للمواجهة، ودافعاً للانتصار في الثورات ضد الميرات التركي أوّلاً، والحَقب الاستعمارية الغربية ثانياً، ومواجهةً للتخلف في مشروع الدولة الوطنية ضمن سياقها القومي، الأمر الذي حال دون تدخل أهواء الزَّعامات إلاَّ في نطاق محدود، ومن سوّلت له نفسه الخروج عن السياق العام للانتماء العربي ضمن اجتهاد منه صائب أو خاطئ في السلم والحرب، قُوبِل برفض ظاهر أو مستتر، وذلك حين كانت الهوية أقوى من الأهواء السياسية، والاقتصادية، والعلائقية، أي حين كان الامتداد العربي أفقياً في مجاله، وليس عمودياً في فضاءات الغير.

اليوم تغيرت الأمور، وأصبح الحديث عن هويات وطنية مفخرة وخطاباً سياسياً، مع أنها وريث غير شرعي للهوية العربية، بل في حقيقتها ليست هويّات، وإنما هي أهواء لمن يضلُّون السبيل، وهم يعتقدون بوعي أو من دونه أنهم يحسنون صنعاً، والدّليل عن ذلك، أن الفتن التي وقعت في عدد من الدول العربية لم تكتف بتغيير الحكام، ولكنها غيّرت الأعلام والأناشيد الوطنية، وقد انتقلت العدوى للأنظمة الحاكمة، وهي سلطة شرعية على النحو الذي رأيناه خلال الأيام الماضية في موريتانيا، فقد تمّ تغيير النشيد الوطني، ما يعني أن البحث عن هوية جديدة أصبح هدفاً في ذاته من السلطة ومن المعارضة.

من ناحية أخرى، تطرح الهويَّة العربية باعتبارها الوجه السلبي للانتماء، والمُعبِّرة عن الفشل والتراجع، ويتم الإعلان عن ذلك صراحة، والأمثلة عن ذلك، فكل النجاحات التي تحققت في الدول العربية، هي في نظر أهلها نتاج: الفرعونية والفينيقية والأفريقية والأمازيغية والخليجية، وكل الفشل في أي مجال ينسب للعرب، ناهيك عن أن الانتماء للأوطان لم يعد في سياقه العربي، وإنما هو ادعاء بوطنية مُزيَّفة في الغالب ترتبط بالمصالح، وتقف رافضة للتضحيات، إلا ما أجبرت الشعوب عليه بقوة القانون، أو بخوف من بطش الحكام.

هكذا تحلُّ الأهواء بديلاً عن الهويّة، التي تشظَّت في البداية إلى مجموعة هويَّات مغلفة بالوطنية على صعيد الشعارات أولاً، وعلى مستوى المواقف السياسية ثانياً، ولأن هذا يعدُّ عودةً إلى النسب والأصول، فنحن نتَّجه نحو مزيد من التفتت والتشتت، تستعمل فيه وسائل العصر بما فيها العسكرية بنفس الطريقة التي دارت فيه الحروب بين القبائل العربية في الماضي البعيد، وخير مثال عن ذلك ما يحدث في اليمن اليوم، وإذا استمرت الحال على هذا النحو، وتعمَّقت إرادة الأهواء عن أحقية الهوية والانتماء، فمن الطبيعي أن تتحكَّم الأقليات المنتشرة في الدول العربية، وما أكثرها في مصيرنا، بل إنها قد تتحالف مع قوى خارجية ضدنا كما هي اليوم في لبنان وسوريا والعراق، لذلك علينا أن نعيد النظر في مسألة الهوية، لأن الدولة الوطنية لن تكون بديلاً عن المشروع القومي، الذي نتخلَّى عنه طواعية أو مكرهين، وإذا أصرَّت على ذلك فسيكون مصيرها مثل الشّاة القاصية.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا