• الأحد 02 جمادى الآخرة 1439هـ - 18 فبراير 2018م

حروب أميركا السرية.. في أفغانستان وباكستان

تاريخ النشر: الجمعة 09 فبراير 2018

كتب الصحافي «ستيف كول» كتاباً جديداً فائق التميز.. فموضوعه شديد الأهمية، ومعالجته آسرة، ونتائجه مقنعة إلى حد كبير. لكن لا ينبغي على القارئ رغم ذلك أن يتوقع حدوث أي تغيير نتيجة لهذا الكتاب وما انطوى عليه من معلومات وتقييمات في غاية الأهمية!

ونال «كول»، الذي يشغل منصب عميد كلية الصحافة بجامعة «كولومبيا»، جائزة «بوليتزر» عن كتابه السابق «حروب الأشباح»، والذي نشره في عام 2004، وقد سجل فيه روايته للصراع في أفغانستان منذ الغزو السوفييتي في عام 1979 حتى عشية تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. ويعتبر كتابه الجديد «الإدارة إس.. وكالة الاستخبارات المركزية والحروب الأميركية السرية في أفغانستان وباكستان»، بمثابة تتمة لكتابه السابق «حروب الأشباح»، إذ يستكمل فيه القصة وصولا إلى عام 2016.

ويبدو الكتاب مثيراً للإحباط، وهو حافل بالوعود، لكن من دون أية نتائج ملموسة. ففي شهر ديسمبر عام 2001، ومع بدء العملية العسكرية الأميركية في أفغانستان، والتي تم إعطاؤها اسم «الحرية الدائمة»، أعلن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن أن هدف الولايات المتحدة هو «إنقاذ الشعب الأفغاني»، وتعهد ببقاء القوات الأميركية حتى إنجاز المهمة. وفي ديسمبر عام 2017، أثناء زيارة قصيرة إلى كابول، لم يتم الإعلان عنها بسبب مخاوف أمنية، أكد نائب الرئيس «مايك بينس» ذلك الالتزام، وقال أمام مجموعة من القوات العسكرية لبلاده: «سنبقى هنا إلى أن تنتصر الحرية».

ورغم ذلك، لا يبدو أن إنجاز المهمة سيكون في أي وقت قريب، فخلال العام الماضي، زادت حركة «طالبان» مساحة الأراضي التي تسيطر عليها، وارتفع إنتاج الأفيون إلى أعلى مستوياته، ولا يزال الفساد ينخر في شرعية وفاعلية الحكومة الأفغانية المشكوك فيهما. وبالنسبة للحرب التي دخلت عامها الـ17، يكاد لا يكون لدى الولايات المتحدة ما تقدمه، بعد أن فقدت 2400 من جنودها وأنفقت تريليونات الدولارات.

ويشير «كول» في كتابه إلى أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالدخول إلى أفغانستان، لأنهم شعروا بأنه ليس ثمة بديل، وبمجرد دخولهم هناك، سرعان ما أدركوا أنهم انزلقوا في مستنقع سحيق. وأضاف المؤلف: «نادراً ما خاضت قوة عظمى حملة عسكرية كبرى كهذه بذلك الفهم الضحل للتحديات المرتقبة، ورغم ذلك توصل بوش في البداية ومن بعده باراك أوباما إلى أنه ليس ثمة خيار أمام الولايات المتحدة سوى الاستمرار»، وهي وجهة نظر يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يؤيدها في الوقت الراهن.

واستناداً إلى نحو 550 حواراً، يصف «كول» بالتفصيل كيف أن كبار المسؤولين ونشطاء المخابرات والدبلوماسيين والضباط العسكريين.. كافحوا لفهم المشكلة التي تواجهه، ومن ثم ابتكار حل لها. وتمخضت دورة مستمرة من المراجعات السياسية والاستطلاعات وإعادة التقييم، إلى جانب جهود للتوصل إلى حلول وسط مع نظرائهم الباكستانيين والأفغان، عن استراتيجية جديدة تلو الأخرى. ولم ترق أي من تلك الاستراتيجيات إلى مستوى التوقعات، ومع كل فشل، ينشأ سبب للتفكير في محاولة شيء مختلف، ولعل إعلان التصعيد الأخير من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب الحالية، عبر إرسال قليل من الجنود الإضافيين ومزيد من القنابل، خير مثال على ذلك التوجه.

وفي كل فصل من هذا الكتاب المشوّق، رغم طوله، يغوص «كول» في جانب آخر مفصل من الصراع، وسيتمكن القراء من الاطلاع على «مناقشات سياسية متواصلة» جرت على أعلى المستويات في واشنطن، وسيصاحبون أيضاً الجنود و«الأشباح» في الميدان. ورغم ذلك، يوجد شعور بالإحباط من الفشل بين صناع السياسات ونشطاء الاستخبارات على السواء. ولعل الرسالة الأبرز في كتاب «الإدارة إس» هي أن «السياسات التي تُصاغ على أساس التجربة والخطأ يصعب أن تجدي نفعاً طالما أنها تغفل عوامل مهمة ومؤثرة».

ومن بين تلك العوامل، التي يعتبرها «كول» جوهرية «غياب الثقة بين واشنطن وكابول»، وطالما بقي الأميركيون كلما كان من الصعب إقناع الأفغان بأن وجودهم مفيد للأمن والاستقرار وبأن أهداف وجودهم فيها صادقة ونبيلة. بيد أن الأكثر أهمية في هذا الخصوص، من وجهة نظر المؤلف، هو علاقة واشنطن الشائكة مع حكومة باكستان، وعلى وجه الخصوص الجيش الباكستاني، الذي يقرر كل شيء تقريباً بشأن الأمور المتعلقة بالأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وفي الصميم من ذلك الدور الباكستاني في الجارة أفغانستان. ومن ثم، لطالما شكلت تهدئة الوضع في أفغانستان تحدياً للولايات المتحدة، وفي غياب التعاون الباكستاني الكامل، سيكون الأمر مستحيلاً.

وأرادت الولايات المتحدة من باكستان أمرين: الأول هو السماح بعبور الإمدادات عبر أراضيها لقوات التحالف في أفغانستان، والثاني هو منع فلول تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» من استغلال باكستان كملاذ آمن وقاعدة للنشاط.

ومن وجهة نظر واشنطن، كانت تلك التوقعات تبدو منطقية تماماً، على افتراض أن باكستان يمكن حملها على التوافق مع الأهداف الأميركية في أفغانستان. غير أن ذلك الافتراض ثبت خطؤه إلى حد كبير. غير أنه في الوقت الذي كان فيه الجنرالات الذين يقودون الجيش الباكستاني ويوجهون أجهزة المخابرات يظهرون التعاون، كانوا في الوقت ذاته يعملون على تقويض الجهود العسكرية للتحالف الدولي الأميركي، حسبما يزعم المؤلف.

ويزعم «كول» أيضاً أن باكستان لم تتورع أبداً في دعم أي عدو للولايات المتحدة، مضيفاً في هذا الصدد: «إن عجز واشنطن عن حلّ معضلة أجهزة المخابرات الباكستانية ووقف تدخلها السري في أفغانستان، مثّل الفشل الاستراتيجي الأكبر في الحرب الأميركية».

وائل بدران

الكتاب: الإدارة إس

المؤلف: ستيف كول

الناشر: بنجوين برس

تاريخ النشر: 2018

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا