• الاثنين 05 رمضان 1439هـ - 21 مايو 2018م

رشيد الخيّون

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

بعد «إعلان الشيعة».. صحوة «المانيفيستو»!

تاريخ النشر: الأربعاء 31 يناير 2018

لا أخفي حلماً وردياً عشته وأنا أُطالع «المانيفيستو»، وثيقة أصدرها نفر من أصحاب الخبرة العراقيين، أطلقوا على أنفسهم عنوان «مجموعة المانيفيستو». لا حدود فيه لآفاق الأمل بدولة وطنية، لا تمييز طائفي ولا عنصرية قومية، مع انتشال التعليم، وإرجاع مغيبات العقل إلى كهوفها، لأهل العلم المبادرة بإعادة إعمار البلاد، والعمل على تنفيذ خطط لتنويع الموارد الاقتصادية. لقد جعلنا كاتب «المانيفيستو» نعيش الفردوس، لهذا أجد نفسي متفقاً مع ما تُرجم بـ«خطة للإيحاء الوطني».

بعد مطالعته طويت «المانيفيستو»، ونفضت الحلم بـ«عدن مضاع» (رواية فهد الأسدي)، وعدت إلى قبل ثمانية عشر عاماً، حيث صدور «إعلان شيعة العراق» (17/1/2002)، وما جرى خلالها من حوادثَ جسام، نزفت فيها دماء، وتبددت ثروات، وتمزقت مجتمعات، وتحققت فقرات، ليست قليلة، من الإعلان المذكور: تحقق التعليم الديني بلا قيود، والمناسبات المذهبية طوال العام زاحفة على الدولة، وحصل الاستقلال بالعلم الديني بحرية مخيفة، وهبوط مدمر للعقل، وبدأ الأخذ بالثأر وفقاً لِما حُشدت به العواطف الملتهبة، من ثقافة المظلومية. كل هذا أشار إليه «إعلان شيعة العراق»، وطُبق على أرض الواقع. إلا مطلب أن ينص الدستور على الأغلبية الشيعية، وهذا لم ينفذه أهل الإعلان أنفسهم، عندما أقاموا في القصور الرئاسية.

كان الموقعون على الإعلان 128 عراقياً، أخذتُ أنظر في مصائرهم، منهم من أصبح في السلطة ومن أهل الثروة المنقولة وغير المنقولة، ومطارات تحولت إلى مقرات لأحزابهم، وجامعات بيعت لهم وهُتكت علمياً، وأصحاب مواكب وفضائيات. كان بينهم معممون لا يُقدرون أبعد من حدودهم الحوزوية، وبسطاء لا يعرفون ما تضمنه الإعلان، وحاملو خناجر الثأر!

لا أنسى مَن صحا وتراجع عن عمامته الحزبية وحمل لواء المدنية، لما طفح الكيل بعد استلام السلطة من قِبل أهل الإعلان، ومَن تحول إلى مدافع عن الطائفة التي كانت سبب المظلومية حسب شكوى الإعلان منها، وكأنه قد عمي عند التوقيع عليه. لم يهرول خواص الشيعة وعوامهم إلى موافقة «الإعلان»، لذا لم يوقعه أكثر من العدد المذكور، وكما أتذكر كان جواب الرافضين: «لو كان عراقياً»!

لا أدري، لماذا لم يسمِ كاتب «المانفيستو» وثيقته بـ«الإعلان»؟! أحسبه يخشى مِن الذكرى الأليمة! ولماذا جعلها بهذا الاسم، وترجمها بـ«خطة للإحياء الوطني»؟ مع أن ترجمة المفردة: «بيان رسمي»، أو «قائمة بحمولة السفينة» (قاموس هانز). كتب أحد الموقعين على «الإعلان» (2002)، والمؤيدين للـ«مانيفستو» (2017) قارظاً الأخير، وأتى على المانيفستوهات عبر التاريخ، وأشهرها البيان الشيوعي (1848)، وعد في مقدمتها مانيفستو القادر العباسي (ت 422ه). هنا يجب الحذر مِما بين الضلوع، وما يتصل بالإعلان. على أن القادر كتب بياناً ضد الفاطميين (297- 567ه)، وقد استخلف خلال العهد البويهي (334-447ه)، ولا أعرف كم من فتوى ومحضر وقرار صدر خلال الحروب بين الدول، فهل تُعد مانفيستو؟! وكيف يُقرن هذا بـ«خطة للإحياء الوطني»؟!

نعم، أصدر القادر كتاباً (مانفيستو) عام 402ه، في تبيان أن الخلفاء العبيديين لا صلة لهم بالعلويين، وقد صادقَ على هذا الكتاب مؤسس المرجعية الإمامية الشيخ المفيد (ت 403ه)، وتلميذاه الرَّضي (ت 406ه) والمرتضى (ت 436ه)، ووافقه البويهون الزيدية، لأنهم ضد الفاطميين الإسماعيلية، وأن جامع «نهج البلاغة» الرَّضي وتلميذه مهيار الديلمي (ت 428ه) كانا شاعري القادر (الكازروني، مختصر التاريخ). ومما قاله الرضي فيه: «ذا الطَّود أبقاه الزَّمان ذخيرةً/ مِن ذلك الجبل العظيم الرَّاسي» (نفسه).

كما أن القادر تزوج سُكينة ابنة بهاء الدولة بن عضد الدولة، وكان عاقد الزواج الحسين بن موسى الموسوي (مسكويه، تجارب الأمم)، أمير الحج ووالد الرَّضي والمرتضى، وكلهم كبار في مذهب الإمامية. تسلم القادر الخلافة بعد منام بعليٍّ بن أبي طالب (مختصر التاريخ) يُسلمها له، وهي الخدعة نفسها التي حلّ بها العبيديون خلفاءً. فإذا كان المُوَقع على «الإعلان» والمؤيد للـ«مانيفيستو» قصد التذكير بالطائفية ضد الفاطميين لإحيائها اليوم، فعليه المراجعة، ولا يغرنه موقع «ويكيبيديا».

على أية حال، حسب «المانيفيستو» (2017) سيكون العراق في عام (2028) قد أحيته الخطط الكبرى المنفذة، بعد استرجاع الأموال المنهوبة لخزائنه، وهنا نحن معه قلباً وقالباً. «لكنَّ بيّ جنفاً» أيقظني من الحلم بـ«قائمة حمولة السَّفينة» (المانفيستو)، من حقيقة الصحوة، وهل القول عند سقوط بغداد (9/4/2003): «سقطت دولة السنة»، حسب إعلان 2002، وقائلها من لحق الإعلان بتأسيس «البيت الشيعي»، سيقابله «سقوط دولة الشيعة»، مثلما يريدها المانيفيستو (2017)، بينما لا السنة ولا الشيعة حكموا، وإنما سلطات فيها آل الجلبي الشيعة وآل شوكت السنة!

أقول: من حق الحالم بتطبيق الوثيقة الواعدة، أن يحصل على توضيح واعتذار، فلا بد أن أحدَ الإعلانين خطأ والآخر صواب: الإعلان الطائفي أم المانيفيستو الوطني؟! فالمنطق: لا تتفق صحة النَّقيضين! خلا ذلك سننظر إلى المانيفيستو كمجرد خُدعة، وأتمنى أن لا يكون كذلك.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا