• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

روسيا.. وأهداف التدخل في سوريا

تاريخ النشر: الجمعة 08 ديسمبر 2017

تتركز أنظار العالم على منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى، في ضوء الاضطرابات السياسية الشديدة التي تعصف بالمنطقة، وهو ما جعلها ضحية مناورات بين قوى عالمية تسعى إلى كسب مزيد من النفوذ الدولي. وبعد غيابها طوال ربع القرن الماضي، عادت روسيا الآن بقوة إلى المنطقة من خلال البوابة السورية، غير أنه من الصعب تحديد دوافعها وأهدافها الاستراتيجية، وكيفية صنع قرارها تجاه المنطقة في النهاية.

وربما يكون من بين الأمور التي لم تحظ بتدقيق كبير، من قبل كثير من المراقبين، خلال السنوات القليلة الماضية، كيفية استغلال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشرق الأوسط كمنصة انطلاق لعودة روسيا كقوة عالمية ذات تأثير كبير على المسرح الدولي، وربما يعارض كثيرون هذا الطرح، في ضوء ضعف الاقتصاد الروسي، والوضع الديموغرافي المتراجع والظروف السياسية الصعبة في أروقة الكرملين. غير أن موسكو، نجحت من خلال تدخلها على مدار عامين في سوريا، في تجاوز الولايات المتحدة، واستعادة مركزها على رأس صدارة الطاولة الجيوسياسية.

وفي هذا السياق جاء كتاب «ماذا تريد روسيا في الشرق الأوسط؟» لمؤلفه: «ديميتري ترينين»، رئيس مركز «كارنيجي» للسلام الدولي في موسكو، الذي أماط عن كتابه اللثام في وقت ملائم تماماً، ليسرد الكيفية التي اغتنم بها بوتين فرصة الظروف والمتغيرات الإقليمية المواتية لصالح موسكو، مع أفول نجم واشنطن وتراجع دورها وانخراطها في بعض ملفات المنطقة.

ويرى «ترينين» أن الحرب الأهلية السورية تعتبر مرحلة فاصلة في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط، بقدر ما كان غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في 2003 حدثاً مفصلياً أيضاً أثر بقوة على تدافعات وتحولات المشهد اللاحق، منوّهاً إلى أن الحرب في سوريا، مثل الحرب العراقية، كانت لها هي أيضاً تداعيات عالمية كبيرة، وخصوصاً أن سقوط بغداد والإطاحة بنظام صدام حسين من السلطة كان في لحظته هو أبرز دلالة على الهيمنة الأميركية العالمية بعد الحرب الباردة، وتسيد نظام الأحادية القطبية في المشهد الدولي يومذاك.

أفول النجم الأميركي

ويرى الكاتب أن سلسلة التطورات اللاحقة، من الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت العالم في 2008 إلى الاضطرابات التي وقعت في المنطقة العربية، ثم أزمة أوكرانيا والحرب السورية، أفضت إلى نهاية تلك الهيمنة بصورة أو بأخرى، وهو ما بدا إيذاناً ببدء نموذج أكثر شيوعاً في تاريخ النظام الدولي وهو استحواذ عدد من الدول الكبرى على قدر غير متساوٍ من النفوذ. وقد مهّد ذلك بالطبع لعودة روسيا لممارسة نفوذها في المنطقة بشكل مؤثر.

وأشار المؤلف إلى أنه في أوروبا، تعتبر روسيا قوة رجعية تسعى إلى الثأر للهزيمة السوفييتية أثناء الحرب الباردة. وفي الشرق الأوسط، تعتبر روسيا قوة الوضع الراهن، وإن كانت متقلبة، فقد تعلمت من هزيمتها في أفغانستان «أن تتعامل مع التحالفات والانحيازات في هذا الجزء من العالم باعتبارها مواقف تكتيكية بصورة أساسية ومن السهل تحولها، فلا أصدقاء دائمون ولا أعداء مؤبدون».

وقد تدخل الاتحاد السوفييتي السابق في الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تأييداً لإسرائيل في 1948، ولكن الحرب الباردة أجبرته على التحول إلى الزعيم المصري الأسبق جمال عبدالناصر، ثم إلى الأنظمة الاشتراكية العربية مثل حزب «البعث» في سوريا والعراق، وتم تدريب زهاء 55 ألف ضابط عربي في الاتحاد السوفييتي على مدار ثلاثة عقود. ودعمت موسكو العراق في حربه مع إيران التي استمرت من 1980 إلى 1988، ولكنها عادت لتنحاز الآن إلى إيران، المستفيد الأكبر من الغزو الأنجلو-أميركي للعراق في عام 2003.

استياء بوتين

ومن المتصوّر على نطاق واسع أن عودة روسيا إلى الشرق الأوسط أثارها استياء بوتين من أن «الناتو» استغلّ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي كان يهدف إلى الحيلولة دون وقوع مذبحة في ليبيا عام 2011 للقيام بتغيير للنظام وإقصاء معمر القذافي. وقد يبدو ذلك حقيقياً. غير أن الكرملين اعتبر أن كل ما يمت لما يسمى بـ«الربيع العربي» هو بمثابة تهديد غربي، ولاسيما بعد أن رأى الولايات المتحدة تتخلى عن حلفائها ممن أطاحت بهم الاضطرابات، ودعمها لتنظيم «الإخوان» الإرهابي لكي يصل إلى السلطة في مصر.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب تساءلت موسكو عما إن كانت الولايات المتحدة تتآمر من أجل إطلاق شرارة «ربيع روسي» أيضاً. وبالنسبة لبوتين، بدا ذلك كله مثل عرض ثانٍ لما سمي «الثورات الملونة»، التي اكتسحت المحيط السوفييتي القديم، من جورجيا إلى أوكرانيا. وفي هذا السياق أشار «ترينين» إلى أن شرر الاضطرابات العربية كان من الممكن أن يشعل أيضاً صراعاً جيوسياسياً في دول الاتحاد السوفييتي السابق، التي تشكل الآن المحيط الروسي، ولاسيما أنه بعد مظاهرات «ميدان التحرير» أعطت المظاهرات في «ميدان كييف» عام 2013-2014 شعوراً بما قد يبدو عليه نجاح اضطرابات مدنية في قلب أنظمة حكم.

تخبط واشنطن

بيد أن تخبّط الولايات المتحدة، على رغم رغبتها في سقوط رئيس النظام السوري بشّار الأسد بدا بينما رفضت منح المعارضين سبلاً للإطاحة به، منح شعوراً روسياً بالفرصة السانحة. ويرى «ترينين» في كتابه أنه بالنسبة «للمستعربين الروس، لم يكن الأميركيون وحلفاؤهم الأوروبيون أكثر من سحرة مبتدئين حظهم عاثر ولا يعرفون ما كانوا يفعلون»!

ومضت روسيا في هجومها قبل عامين، وألزمت قوتها الجوية بإنقاذ نظام الأسد، إلى جانب قوات برية متنافرة مكونة من «بقايا الجيش السوري» ومليشيات «الحرس الثوري» الإيراني وعصابات «حزب الله» المدعومة من طهران.

وباستخدام تكتيك عدم وجود محظورات، انتصرت روسيا، ومن وجهة نظر موسكو، أعطت الولايات المتحدة درساً في كيفية التدخل العسكري الناجح. وانحازت لها تركيا، التي شعرت بالغضب من التحالف الأميركي مع المقاتلين الأكراد في سوريا، المرتبطين بالمتمردين الأكراد في تركيا.

عودة روسيا

وربما أن بوتين يشعر الآن بأن هدفه قد تحقق: فالانخراط العسكري الروسي في سوريا لم يكن بشأنها هي أو الشرق الأوسط فحسب، وإنما كان سعياً من جانب موسكو للعودة على الساحة العالمية كقوة عظمى، حسبما يرى «ترينين» الضابط السابق في الجيش السوفييتي.

غير أن المؤلف يرى أن موسكو لم تحل أيضاً محلّ واشنطن كقوة فاعلة أساسية أو مزود رئيس للأمن في الشرق الأوسط، وليست لديها رغبة ولا موارد ولا نية للاضطلاع بذلك الدور. ولكن ما فعلته هو مجرد قطيعة مع حالة ما بعد الاتحاد السوفييتي بالانكفاء على حدودها الاستعمارية السابقة والغياب بشكل كبير عن بقية العالم.

وأضاف «ترينين»: «إن روسيا أشارت من خلال تدخلها في الحرب الأهلية السورية إلى أنها تعود بقوة إلى الساحة العالمية كقوة جيوسياسية كبرى ومستقلة»، بيد أنه أكد أن ذلك الوضع إذا ما استمر، فسيؤثر على ميزان القوة في عدد من المناطق الساخنة في العالم.

ويركز الكتاب في أحد فصوله على المصالح الاقتصادية لروسيا في الشرق الأوسط، من تجارة الأسلحة إلى الطاقة النووية وخطوط النفط والبنية التحتية للنقل، مشدداً على أن هذه المصالح تؤثر على متخذ القرار الروسي وسياساته في المنطقة.

ويرى «ترينين» أنه في ظل بيئة القيود الاقتصادية التي فرضها الغرب على روسيا نتيجة لإجراءاتها في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، أصبحت لتلك المصالح في الشرق الأوسط أهمية أكبر.

وارتكز المؤلف في تحليله على التاريخ، وإن كان البعض قد يختلف على تأكيداته. غير أن كتاب «ترينين» يتناول رؤى قيمة لم يذهب إليها أحد من قبله بشأن حاضر المنطقة، وتداعياته على مستقبلها.

وائل بدران

الكتاب: ماذا تريد روسيا في الشرق الأوسط؟

المؤلف: ديميتري ترينين

الناشر: بوليتي

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا