• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

أيرلندا ومفاوضات «بريكسيت»

تاريخ النشر: الجمعة 08 ديسمبر 2017

المحادثات البريطانية للخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكسيت» معرضة للانهيار، ويضيق صبر بريطانيا للانتقال إلى ما بعد المرحلة الأولى من المفاوضات حتى تستطيع أن تتفاوض بشأن مستقبل العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، لكن قضية الحدود الأيرلندية أصبحت عقبة كؤوداً في الطريق. وتوصلت أنا وزملاء في بحث بعنوان «ردود على بريكسيت: تصورات الصفوة في ألمانيا وفرنسا وبولندا وأيرلندا» إلى أن السياسيين الأيرلنديين لا يقبلون أن تتقدم محادثات الخروج دون حل مفصل لقضية الحدود الأيرلندية مع بريطانيا، وبريطانيا تتردد في مناقشة هذه التفاصيل.

والواقع أن جمهورية أيرلندا مفتوحة الحدود اقتصادياً مع أيرلندا الشمالية التي تمثل ذلك الجزء من الجزيرة الذي ما زال خاضعاً للحكم البريطاني، واقتصاد المنطقتين متداخل بقوة. ويوم الاثنين الماضي، كان الأمر يبدو كما لو أن جمهورية أيرلندا حصلت على تنازل كبير في «بريكسيت» من المملكة المتحدة، وكان من شأن هذا التنازل أن تتبع أيرلندا الشمالية اللوائح التنظيمية نفسها المعمول بها في جمارك الاتحاد الأوروبي والسوق الموحدة، مما يلغي الحاجة إلى نقاط جمركية بين الشمال وجمهورية أيرلندا. وفي صباح يوم الاثنين اعتقد رئيس الوزراء الأيرلندي «ليو فارادكار» أن الصفقة محسومة، لكن بحلول مساء الاثنين الماضي، أُبعدت الصفقة التي تريدها أيرلندا عن طاولة المفاوضات، لكن كثيرين في حزب «المحافظين» الذي تنتمي إليه رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي وفي الحزب الديمقراطي الوحدوي في أيرلندا الشمالية الذي نظم حملة لدعم الخروج من الاتحاد الأوروبي ويدافع عن «بريطانية» أيرلندا الشمالية، وتعتمد عليه ماي في الدعم، يجدون صعوبة في قبول هذه الصفقة.

وتستطيع أيرلندا عرقلة تقدم بريطانيا نحو المرحلة التالية من مفاوضات الخروج. والاتحاد الأوروبي يدعمها بقوة. والأسبوع الماضي، أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنه (إذا قدمت المملكة المتحدة عرضاً غير مقبول لأيرلندا فإنه سيكون غير مقبول من الاتحاد الأوروبي). وتعلم أيرلندا أن اقتصادها وسياستها مرتبطان بـ«بريكسيت» أكثر من أي دولة عضو أخرى في الاتحاد الأوروبي، وخاصة أن «بريكسيت» قد يكون له عواقب مؤثرة على عملية السلام في أيرلندا الشمالية. وأيرلندا جزيرة والحدود المتعرجة بين الشمال والجمهورية لا تتبع تضاريس طبيعية. وبريطانيا وجمهورية أيرلندا كانا عضوين في الاتحاد الأوروبي ولذا لم تكن هذه الحدود قائمة في واقع الحال. والخروج البريطاني قد يقيم حدوداً مادية، ويعرقل حرية الحركة أمام الأشخاص والبضائع، ويخشى الأيرلنديون أن يؤدي اتفاق سيئ في «بريكسيت» إلى العودة إلى نقاط التفتيش الحدودية فيما يذكرهم بعنف التسعينيات.

وتتفق بريطانيا وأيرلندا والاتحاد الأوروبي على شيء واحد وهو أنه لا عودة إلى الحدود القديمة داخل جزيرة أيرلندا، فلماذا تمثل الحدود الأيرلندية الآن أكبر عقبة أمام محادثات «بريكسيت»؟ الواقع أن السياسيين في دبلن يخشون أن بريطانيا لم تدرك المخاطر الحقيقية التي يمثلها الخروج البريطاني على عملية السلام الأيرلندية. وقال سياسيون أيرلنديون إن بريطانيا مرتبكة ورسائلها متضاربة وتضحي بأيرلندا الشمالية فيما يبدو، وأشار هؤلاء إلى أن بريطانيا ليست جادة بشأن العثور على حل للحدود الأيرلندية، فقد جادلت بريطانيا بأنها غير مهتمة بإقامة حدود مادية لكن إذا أراد الاتحاد الأوروبي وأيرلندا فرض رقابة جمركية، فهذا من شأنهم الخاص. والسياسيون الأيرلنديون محبطون بسبب ما يعتبرونه محاولات بريطانية لإلقاء مسؤولية إقامة حدود مادية على أيرلندا أو الاتحاد الأوروبي بينما يجب عليها ببساطة أن تقدم مقترحات مفصلة في هذا الشأن.

وتؤكد بريطانيا في جانب آخر على أن إقامة حدود مادية لا تمثل قضية أصلاً لأن الحلول التكنولوجية متوافرة، وأوصت الحكومة أن الحلول التكنولوجية مثل لوحة الأرقام التي يمكن التعرف عليها إلكترونياً وكاميرات المراقبة وغيرها من المنجزات التكنولوجية قد تغني عن بناء مادي على امتداد الحدود الأيرلندية، لكن السياسيين الأيرلنديين لا يقبلون الحل التكنولوجي، ويؤكد حزب الأقلية الحاكم ومعه أكبر حزبين في جمهورية أيرلندا على ضرورة التوصل إلى حل سياسي وليس تكنولوجياً، ولن تمضي المحادثات قدماً ما لم تحمل بريطانيا هذه الاعتراضات محمل الجد.

ودون أن تقدم بريطانيا التفاصيل في هذا الشأن فلن تحقق تقدماً في مفاوضات الخروج على الأرجح. وجمهورية أيرلندا تريد (اصطفافاً في اللوائح) مع أيرلندا الشمالية، مما يعني أن يتبع الشمال قواعد التجارة المعمول بها في الاتحاد الأوروبي حتى لو كان باقي المملكة لا يريد ذلك. وعلى مدار 18 شهراً، طلبت جمهورية أيرلندا تفاصيل محددة ومكتوبة عن الوضع الخاص لأيرلندا الشمالية، لكن حكومة «ماي» غير راغبة سياسياً أو غير قادرة على أن تقدم هذا النوع من التفاصيل. وما لم يتغير هذا، فإن محادثات الخروج تواجه خطر انهيار حقيقي خلال هذا الشهر.

نيل دولي: محاضر في السياسة في جامعة ساسكس البريطانية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا