• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

أميركا اللاتينية ومكافحة الفساد

تاريخ النشر: الأربعاء 15 نوفمبر 2017

قبل عامين فحسب بدأ تصدي أميركا الجنوبية للفساد السياسي يقتحم أرضاً جديدة. ولم يكن التجديد بمثل هذا التشويق والنجاح في أي مكان من العالم كما كان في جواتيمالا، فقد أدى الغضب الشعبي والمحققون الذين لا يهابون شيئاً، وأبرزهم محققون أجانب مناهضون للفساد تمتعوا بتفويض قضائي واسع النطاق.. إلى تعقب جناة في أعلى المناصب، لكن كما تعلم الجواتيماليون، فحيث تكون المؤسسات الحاكمة أداة طيعة بأيدي النخبة صاحبة النفوذ، فإن استمرار مكافحة الفساد تكون أكثر صعوبة بكثير.

وقادت حملة مكافحة الفساد في جواتيمالا «اللجنة الدولية ضد الحصانة» التي ترعاها الأمم المتحدة، التي أنشئت عام 2007، لدعم المؤسسات القومية الضعيفة وضمان مثول منتهكي حقوق الإنسان أمام القضاء لمحاسبتهم عن أعمال ارتكبوها أثناء الحرب الأهلية التي دامت 36 عاماً. وتوسعت مهمة اللجنة لتهتم بالحصانة في حالات الفساد السياسي والسطو على المال العام، لأن كثيرين من أفراد الصفوة المتهمين بجرائم انتهاك حقوق الإنسان انتقلوا إلى السطو على المال العام حين توقف إطلاق النار.

واكتشفت اللجنة عام 2015 ضلوع رئيس جواتيمالا آنذاك «بيريث مولينا»، الجنرال المتقاعد الذي سطع نجمه أثناء الحرب الأهلية، في مخطط للاحتيال على مصلحة الجمارك، وأدى كشف اللجنة عن النتائج إلى احتجاجات كبيرة أفضت إلى سقوط «مولينا» وحكومته، ولم يتوقف متعقبو الجرائم في الأمم المتحدة، بل بعد ذلك بعامين، اتهموا خليفة «مولينا»، الرئيس الحالي والممثل الكوميدي السابق «جيمي موراليس»، بانتهاكات قد تكون أشد خطراً وضغطوا على الكونجرس ليجرده من حصانته الرئاسية. واعترض المشرعون، ورد موراليس معلناً أن كبير المحققين في اللجنة شخص غير مرغوب فيه، وحاول طرده لكنه لم يفلح. ويهدد الجمهور حالياً بإنهاء رئاسة موراليس.

وقد لفتت حملة جواتيمالا على الفساد عيون المتحمسين في الغرب، وبدأت واشنطن تتحدث عنها كنموذج لمكافحة الفساد.

وأقامت هندوراس هيئة تحقيقات مشابهة أتبعتها لـ«منظمة الدول الأميركية»، واقترح أحد المفوضين السابقين في اللجنة إقامة هيئة إقليمية لمكافحة الفساد في كامل المنطقة، لكن لماذا لا تلجأ دول معتادة على فشل المؤسسات الضعيفة إلى الخبراء؟ وكما يتصرف صندوق النقد الدولي كبديل للبنك المركزي للدول المتعثرة مالياً، مثلت اللجنة الذراع الاصطناعية للقانون في جواتيمالا.

وحصل مكتشفو الجرائم التابعون للأمم المتحدة على كثير من الإشادة والمصداقية في الشارع. وتحت رقابتهم، تزايدات أحكام الإدانة في جرائم القتل فانخفض معدلها، وتمت إقالة أكثر من عشرة القضاة سيئي السمعة ونحو 2500 رجل شرطة فاسد. هذه الإجراءات عززت قوة مكتب المدعي العام وزادت جرأة المفتشين والمدعين القوميين. ويعتقد دانيال ويلكنسون، من منظمة هيومن رايتس ووتش أنه «حين تنتقل من الحصانة التامة افتراضياً إلى عدد من المحاكمات، يكون هناك تحول أساسي في التوقعات. ويبدأ الجميع في الإيمان بالعدالة كمغامرة تستحق الحديث عنها».

لكن ما مدى صمود تجربة جواتيمالا؟ وهل يمكن تصديرها؟

إن التمعن في حملة مكافحة الفساد في أميركا اللاتينية يثير الشكوك. فمن الواضح أن حملة المدعين التابعين للأمم المتحدة زعزعت قواعد أصحاب مصالح الفساد. لكن بعد مرور عقد، هل انتقلت العملية بالبلاد إلى الاستقلال القضائي؟ يرى ويلكنسون أنه «إذا انحلت اللجنة الدولية ضد الحصانة غداً ستتقوض كل الجهود. فمن في السجون قد يفرج عنهم، وقد تعود جواتيمالا إلى ما كانت عليه». وهذا عزز المخاوف من أن احتمال أن تكون جواتيمالا قد سلمت سيادتها إلى أجانب، كما حذّر من ذلك «مولينا» في مقابلة أجريت معه في الآونة الأخيرة، لكن أريك أولسون، نائب مدير برنامج أميركا اللاتينية في مركز ويلسون، يرى أنه من خلال العمل عن كثب مع المدعي العام ومكتب الادعاء العام، ساهمت لجنة الأمم المتحدة في تعزيز مؤسسات جواتيمالا. وأضاف: «القضاء في جواتيمالا كان ضعيفاً للغاية، وكانت الضغوط السياسية والإجرامية تسيطر عليه، وكان بحاجة لدعم خارجي، لكنه لم يفقد سلطته».

ماك مارجوليس

كاتب متخصص في شؤون أميركا اللاتينية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا