• السبت 29 صفر 1439هـ - 18 نوفمبر 2017م
  03:22     ماكرون يستقبل الحريري في الاليزيه    

أحمد أميري

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الإسلام شيء وفهمه شيء آخر

تاريخ النشر: الخميس 19 أكتوبر 2017

لا يختلف تصوّر الإسلام لدى بعضهم عن تصوّرهم للقرآن الكريم، فالإسلام في نظرهم مثل القرآن، قائمٌ بذاته ومستقلٌ بنفسه، وهبط بتلك الحالة من السماء، الأمر الذي يؤدي بهم إلى إلقاء الاتهامات بمعاداة الإسلام جزافاً.

ففي ظلّ ذلك التصوّر المغلوط، قد يصحّ اعتبار من يبدي اعتراضه على أمر إسلامي معادياً للإسلام، لكن الإسلام منظومة من العقائد والشعائر والأحكام، وهذه المنظومة ليست قائمة بذاتها ومستقلة بنفسها، ولم تهبط كلها علينا من السماء.

الإسلام كمنظومة له أكثر من نسخة، لكل واحدة منها نصوص تعبّر عنها، وشخوص تمثّلها، وتتفق جميع النسخ على نصّ واحد من النصوص التي تشكّلها، وهو القرآن الكريم، ولا تتفق على بقية النصوص، كما تتفق على بعض الشخوص باعتبارهم ممثلين للإسلام، وتختلف على شخوص آخرين.

وإذا أمعنا النظر سنجد أننا جميعاً لا نوافق على نسخة واحدة على الأقل من تلك النسخ، فالسلفي لا يقبل النسخة الصوفية، والصوفي لا يقبل النسخة السلفية، وهكذا بالنسبة للشيعي مع نسخة السُّنة، والسُّني مع نسخة الشيعة، والمسلم العادي مع نسخة الإسلاميين، بل هناك اختلاف على النصوص والشخوص ضمن النسخة الواحدة أحياناً.

ومن ثم، فإنه ليس من الصواب اتهام شخص مسلم أو غير مسلم قال كلمة ما بمعاداة الإسلام، بينما هو في الحقيقة لا يتوافق إلا مع نسخة من نسخه، وهو شأننا جميعاً في نهاية المطاف.

أما عن كون المنظومة غير منزّلة من السماء، فكل من لديه ثقافة دينية معقولة يعلم أن نزراً يسيراً من المنظومة التي تشكّل الإسلام مستمدٌ من مصدر إلهي بشكل مطلق، أي القرآن الكريم، وثمة جزء مستقى مما نسب صدوره إلى نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، والجزء الأكبر من هذا الجزء مختلف عليه بين المسلمين، أما بقية ما يعدّ إسلاماً، فهو فهمٌ بشري صرف، أعني ما استُنبط من عقائد وشعائر وأحكام من تفسير لآي القرآن الكريم، وشرح للأحاديث النبوية الشريفة، ونقل للسيرة النبوية المطهرة.

فإذا حصل أن وجّه شخص ما الانتقاد لحكم يُعتبر لدى بعضهم إسلامياً، كلزوم تغطية المرأة وجهها، أو أبدى تحفّظاً على رمز إسلامي لدى نسخة من تلك النسخ، فإنه من الشطط اتهامه فوراً بمعاداة الإسلام من حيث أنه دين إلهي، بل الصحيح قولنا إن له موقفاً من الإسلام من حيث أنه منظومة وضع البشر بصماتهم فيها.

هذا التفريق في تكييف ما أتى به ذلك الشخص، يترتب عليه اختلاف في الموقف منه، فثمة فارق شاسع بين أن تنظر لشخص كمعادٍ للخالق، أو تنظر إليه باعتباره معترضاً على فهم، أو تأويل، أو تفسير، أو استنباط، أو نقل، أو شرح بشري.

اتهام الدول أو الأفراد بمعاداة الإسلام ترك وما يزال آثاراً وخيمة، فالأفراد يُعرّضون لخطر الفتك بهم على أيدي الجموع الهائجة، أو سوقهم بشكل قانوني إلى المحاكمة، والمجتمعات تعيش بمنطق القرون الوسطى، لأنها ترفض أي صوت ينادي بالتجديد، خشية المسّ بما تعتقد أنه منزّلٌ من السماء، وتتخذ موقفاً دفاعياً ضد الآخر الذي تتوهم أنه يعادي الإسلام، وترفض التعاطي معه على أرضية واحدة.‏‭

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا