• الأربعاء 28 محرم 1439هـ - 18 أكتوبر 2017م

الحلم الأوروبي.. هل بددته تحديات القرن الـ21؟

تاريخ النشر: الجمعة 13 أكتوبر 2017

حلم «ولايات متحدة أوروبية» الذي طالما راود العديد من الأوروبيين أخذ يتبدد في أعقاب الأزمات المتتالية التي عصفت بالقارة العجوز خلال السنوات الأخيرة. من أزمة الديون في منطقة اليورو، وتدفق اللاجئين الذين يدقون على أبواب أوروبا، إلى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها للمتمردين الموالين لموسكو في شرق أوكرانيا، ومن الابتعاد المتزايد عن المبادئ الديمقراطية في المجر وبولندا إلى البريكسيت التي زادت المخاوف من تفكك الاتحاد. هذه التطورات، ورد الفعل القوي ضد العولمة، ساهمت في تناقص الثقة في الأحزاب التقليدية الحاكمة في الغرب، حيث أخذ الناخبون في الولايات المتحدة وأوروبا يتخلون عن طرق الحكم التقليدية لصالح البدائل السلطوية والشعبوية والقومية، ما يطرح تهديداً كبيراً لمستقبل الديمقراطيات الغربية.

وفي كتابه «قارة مفككة»، يستعرض الكاتب والصحفي الأميركي ويليام دروزدياك كل هذه الأزمات التي تمر بها أوروبا اليوم، متأملاً حال الحياة السياسة في العواصم الأوروبية، وموقف مواطنيها المزدوج تجاه الاندماج الأوروبي، وميزان القوة المتغير بين الدول الأعضاء الكبيرة في الاتحاد الأوروبي، ويؤكد أنه بينما تنشغل النخب القومية بالمشاكل الداخلية، يجد حلف الناتو صعوبة في التعاطي مع التحديات الدولية للقرن الحادي والعشرين، مثل التجارة والهجرة وتدفق رؤوس الأموال وتغير المناخ والإرهاب والتراجع العالمي المضطرد عن القيم الديمقراطية. ويشرح لماذا لم تتصالح ألمانيا مع وضعها باعتبارها الدولة الأوروبية الأهم، ولماذا تَختزل زعامتَها عموماً في السهر على التزام بلدان الحافة الجنوبية للاتحاد بالقواعد، كما يشرّح قرار بريطانيا الانفصال عن بقية أوروبا، ويحلّل سعي فرنسا إلى استعادة مجدها الضائع تحت قيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، ويتساءل ما إن كان الوسط السياسي يستطيع النجاح والصمود في إسبانيا وإيطاليا واليونان.

وفي الأثناء، يلاحظ دروزدياك انكفاءً على الذات في العواصم الأوروبية وانشغالاً مؤسساتياً بالداخل في بروكسيل، لافتاً إلى أن ذلك يأتي في توقيت سيئ للغاية، حيث يعيش الضامن التقليدي لأمن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية -الولايات المتحدة- حالياً واحدةً من لحظاته الانعزالية التاريخية، فقد وصف الرئيس دونالد ترامب الناتو بأنه حلف «عفَّى عليه الزمن»، وانتقد الاتحاد الأوروبي باعتباره أداة للقوة الألمانية، وألمح إلى أن «المادة الخامسة» للحلف الأطلسي –التي تنص على أن هجوماً على أحد أعضاء الحلف هو هجوم على الكل– مرهونة بدفع أعضاء الناتو أولاً لنصيبهم العادل من النفقات.

بيد أن بعض المراقبين يرون أن العديد من مشاكل الاتحاد الأوروبي هي من صنع يديه، ذلك أنه بين منتصف الثمانينيات والتسعينيات، اختارت دوله الأعضاء القيام بثلاث قفزات طموحة إلى الأمام بخصوص الاندماج الاقتصادي، حيث خلقت السوق المشترك، وتبنت العملة الموحدة، وانكبت على توسيع العضوية شرقاً. وكانت الفكرة تتمثل في أن الاندماج الاقتصادي سيؤدي إلى تكافؤ في مستويات المعيشة يتبعه اندماجٌ سياسي، أو هكذا كان يُؤمل.

لكن بينما تبنّت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الحريات الأربع، حرية مرور السلع، وتبادل الخدمات، ورأسمال المال، ودخول الأشخاص، كما تبنت عملة موحدة.. أهملت إنشاء المؤسسات اللازمة لإدارة تلك الحريات بشكل جيد، واختارت التنازل عن السيطرة الوطنية على الأدوات السياسية الاقتصادية المهمة، ما حرم الدولَ الأعضاء من أدوات داخلية مهمة لامتصاص الصدمات. وفي الأثناء، واصل الاتحاد الأوروبي اعتماده على المظلة الأمنية الأميركية من أجل الدفاع عن أوروبا، بدلاً من تبني سياسة أمنية وخارجية قوية خاصة به، كما ساهم توسيع الاتحاد شرقاً في نشوء اتحاد أقل تماسكاً، وضاعف إمكانيات الاختلاف وعدم الانسجام.

وأثناء هذه العملية التي قادتها النخبة، اختارت أوروبا عموماً تجاهل شعوبها، والتي ربما كانت مستعدةً لقبول تعاون أكبر بخصوص مواضيع السياسة الخارجية والإرهاب وتغير المناخ، لكنها لم تكن ترغب بالضرورة في التنازل عن السلطات الوطنية بخصوص التجارة والهجرة ومسائل السياسة الاقتصادية التي تخلق رابحين وخاسرين محليين.

ومع أن التحسن الأخير في المؤشرات الاقتصادية قد يوحي بأن «الرياح عادت لتدفع أشرعة أوروبا»، مثلما قال رئيس المفوضية الأوروبية «جان كلود يانكر» مؤخراً، إلا أن الأسباب الجوهرية لأزمات أوروبا الأخيرة لم تعالَج بعد. وعلى غرار رومانسيين آخرين يحلمون بالفدرالية الأوروبية، فإن يانكر ما زال يعتقد أن «المزيد من أوروبا»، أي منح مزيد من الصلاحيات للمفوضية الأوروبية ومواصلة نقل السيادة من الدول الأعضاء إلى بروكسيل، هو الحل.

والحال أن ما يُستخلص من كتاب دروزدياك هو أن معظم المشاكل التي تعاني منها الديمقراطيات الأوروبية لا يمكن حلّها على مستوى فوق وطني، لأنه لا يوجد «حل واحد صالح للجميع». ذلك أن العديد من المشاكل الاقتصادية الوطنية والمحلية لديها حلول وطنية ومحلية فقط، إذ حيثما توجد حاجة لمزيد من أوروبا ورغبة شعبية لديها في التعاطي مع اللاجئين، والإرهاب، وأميركا ترامب، وروسيا بوتين، وتركيا أردوغان.. لا توجد رغبة بين النخبة لاجتراح استراتيجية مشتركة.

ولئن كان دروزدياك يترك إمكانية انبعاث الاتحاد الأوروبي من جديد مفتوحة، فإن إحدى أهم خلاصات هذا الكتاب هي أن الأوروبيين لم يتصالحوا بعد مع حقيقة تبدّد حلمهم.

محمد وقيف

الكتاب: قارة مفككة.. أزمات أوروبا ومصير الغرب

المؤلف: ويليام دروزدياك

الناشر: نورتون

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا