• الخميس 29 محرم 1439هـ - 19 أكتوبر 2017م

ليونيد بيرشيدسكي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

ميركل وشركاء الحكم

تاريخ النشر: الخميس 12 أكتوبر 2017

بعد القبول باستضافة عدد أكبر من المهاجرين إلى ألمانيا لأسباب إنسانية، قدمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أحد أهم التنازلات في تاريخها السياسي. ورغم أنه ما من أحد كان سعيداً بهذا الإجراء، فإنه أدى الهدف المراد منه حتى الآن. وقد يتطلب تشكيل ائتلاف حكومي خلال الأشهر القليلة المقبلة المزيد من التضحيات التي يتعين عليها تقديمها.

ويوم الاثنين، أعلنت ميركل ورئيس الوزراء البافاري هورست سيهوفير، الذي يقود حزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، أنهما قررا معاً الحفاظ على عدد طالبي اللجوء السياسي وعائلاتهم وبقية الحالات الإنسانية عند الرقم 200 ألف، مع إلغاء إمكانية اللجوء إلا للحالات الإنسانية الطارئة. وكان تحديد سقف لعدد المهاجرين أحد المطالب التي أعلن عنها حزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» منذ عام 2015 عندما تدفق أكثر من مليون من طالبي حق اللجوء السياسي إلى ألمانيا، إلا أن ميركل كانت ترفض بشكل دائم الأخذ بهذا الشرط.

وكان من الصعب من الناحية السياسية لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» لميركل وحزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» أن يشكلا حكومة ائتلافية بالتحالف مع «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» المؤيد للهجرة. وكانت ميركل تتوقع أن تستطيع ضمان دعم «سيهوفير» لها في كل الأحوال، لكنها كانت تشكك بدعم «الديمقراطيين الاجتماعيين» لها. وعندما توجه أحد الصحفيين بسؤال لميركل، خلال مؤتمر صحفي شارك فيه «سيهوفير»، حول السبب الذي دفعها لعدم الأخذ بسقف محدد لعدد اللاجئين منذ بداية الأزمة، قالت بشيء من الاستخفاف: «لكل شيء أوانه». ورغم عنصر المراوغة الذي انطوى عليه هذا الجواب، إلا أنه كان الجواب المناسب.

وخلال انتخابات سبتمبر التشريعية، كان أداء حزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» سيئاً في بافاريا، حيث خسر 10.5 نقطة مئوية مقارنة مع نتائج انتخابات عام 2013. وكان موقف «سيهوفير»، الذي اعتاد على دعم ميركل بشكل دائم، الشعور بالصدمة المفاجئة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات. وبدأ يتحدث عن «إغلاق المنفذ الأيمن» الذي اعتقد بأنه كان مفتوحاً على مصراعيه أمام القوميين من حزب «البديل من أجل ألمانيا». وأراد أن يفعل شيئاً ما يعيد من خلاله الاعتبار لحزبه وناخبيه الذين شعروا بخيبة الأمل، فراح يذكّر ميركل بأن «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» يمكن أن يكون شريكاً في الائتلاف عندما تطلب منه ذلك. ووافقت على العرض مع الإشارة إلى وعد قطعته على نفسها للمرة الأولى بأن تضع سقفاً محدداً للهجرة ذات الأسباب والدواعي الإنسانية.

وتعرض برنامج تلفزيوني ساخر بثّته القناة البافارية الرسمية للتفاصيل الدقيقة لهذه الاتفاقية من خلال رسوم متحركة ظهرت فيها «ماما ميركل»، وهي تقول بصوت رقيق لطفلها الصغير سيهوفير: «يا طفلي الجميل، لقد حصلت الآن على نتائجك، وبات في وسعك أن تعود إلى سريرك».

ومن الناحية العملية، فإن تحديد السقف يعني الموافقة على الشيء القليل. فقد استقبلت الوكالة الفيدرالية الألمانية للمهاجرين خلال الفترة الممتدة بين بداية شهر يناير ونهاية شهر أغسطس الماضيين 135 ألف طلب لجوء سياسي، بما يعني أن العدد الكلي لهذا العام (2017) قد يرتفع إلى 200 ألف طلب. لكن من المؤكد وجود حالات إنسانية طارئة يمكن أن تستجد بين يوم وآخر، ولا يوجد ثمة من قانون صريح يشير في هذه الحالة إلى رفض قبول طالب اللجوء الجديد بعد اكتمال العدد 200 ألف. وقال «فراك شوابه»، النائب عن «الحزب الديمقراطي الاجتماعي»، خلال تغريدة له على موقع «تويتر» نشرها يوم السبت الماضي عندما تناهت إليه أخبار الاتفاق: «لو كان السقف المحدد لعدد المهاجرين مجرد كذبة أو كان مخالفاً للقوانين الدولية، فإن مثل هذه السياسات الرمزية تبدو سخيفة».

وقالت مصادر حزب «البديل من أجل ألمانيا» إن هذه التسوية لا معنى لها، وجاء في بيان صادر عنه أن «الحدود اللامحدودة لا يمكنها أن تغير من الأمر شيئاً». ويطالب هذا الحزب بتحفيض كبير في أرقام الهجرة للدرجة التي لا يمكن لأي من الأحزاب الفعالة في ألمانيا أن يقبل بها أو يقبل النقاش حولها.

وقدمت ميركل عرضاً مغرياً للمحافظين المناهضين للهجرة. وتوصلت إلى اتفاق مع حزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» يتضمن بناء مراكز إيواء مؤقتة لطالبي اللجوء السياسي سوف يجبرون على البقاء فيها إلى حين اتخاذهم القرار بالعودة إلى أوطانهم أو طردهم من ألمانيا إذا كانت طلبات لجوئهم غير قانونية. ولو حافظت ميركل على هذا الوعد، فكيف يمكن طرد اللاجئين بعد أن يكونوا قد تأقلموا مع الحياة في ألمانيا وتعلموا لغتها؟ لا شك أن الأمر سيكون صعباً.

وليست تلك إلا بداية عمل ميركل لتشكيل حكومتها الائتلافية الجديدة. وهناك قضايا شائكة أخرى في انتظارها غير الهجرة، ومنها السياسة الضريبية والسياسة الخارجية والقضايا البيئية، وكلها من القضايا التي يختلف بشأنها شركاؤها في الائتلاف الحكومي المقبل.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا