• الثلاثاء 27 محرم 1439هـ - 17 أكتوبر 2017م
  03:17    "جائزة الشيخة فاطمة لأسرة الدار" تعتمد القائمة القصيرة للفائزين بدورتها الثانية    

إميل أمين

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الأميركيون.. الكونجرس هو الجاني

تاريخ النشر: السبت 07 أكتوبر 2017

أحد أهم الأسئلة التي تتردد في جنبات أميركا منذ حادثة إطلاق النار في مدينة لاس فيغاس، مؤداها: من هو الجاني الحقيقي؟ صباح اليوم التالي للحادث المشؤوم صدرت صحيفة «نيويورك تايمز» ذائعة الصيت متضمنة عناوين وتحليلات تؤكد أن الكونجرس الأميركي هو الجاني الحقيقي بتقاعسه وتخاذله عن مواجهة الأمر، عبر تغيير ما ينبغي تغييره، ما الذي يتوجب تغييره؟ الجواب يقودنا إلى إشكالية التعديل الثاني في الدستور الأميركي وفيه عبارة تنص على أنه «حيث إن وجود ميليشيات حسنة التنظيم ضروري لأمن أية ولاية حرة، لا يجوز التعرض لحق الناس في اقتناء أسلحة وحملها».

القصة إذن باختصار غير مخل هي أن الدستور الأميركي يكفل للمواطنين حمل السلاح، وفي بعض الولايات يكون شراء سلاح أوتوماتيكي سريع الطلقات أيسر من شراء علبة تبغ أو زجاجة كحول، ما يفسر الحوادث التي تجري بها المقادير هناك.

والشاهد أنه لا يمكننا فهم حرص الآباء المؤسسين على تقنين مسألة حمل السلاح، إلا في ضوء من التاريخ والجغرافيا للولايات المتحدة الأميركية. أما التاريخ فيتصل اتصالاً وثيقاً بأصحاب الأرض الأصليين من الهنود الحمر، فيما الجغرافيا تشير إلى مسألة الحدود الطبيعية لأميركا، والتي كانت مساحة مفتوحة حتى نهاية القرن التاسع عشر.

والثابت تاريخياً أن زحف الرجل الأبيض الذي وصل هناك من أوروبا حاملاً نفس الشعارات التي لا تزال تتردد إلى اليوم عن دوره في صناعة الحضارة، لم يتوقف عن الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين بقوة النار والبارود، إلا حينما وصلت حدوده إلى المحيط الهادئ غرباً، بعدما عزز إقدامه عند المحيط الأطلنطي شرقاً.

وعبر قرن ونصف تقريباً كانت المساحة بين المحيطين مسرحاً لاستخدام الأسلحة النارية التي استخدمت للنهب والسلب وطرد قبائل الهنود وتدمير الغابات الكثيفة بحثاً عن مناجم الذهب والفضة، وقد وضع الأنجلوساكسون الهنود أمام خيارات ضيقة قاتلة: فإما الإبادة، وإما النفي والانسحاب إلى المعازل.

مهما يكن من أمر، فإنه ليس هاهنا مقام تفصيل الكلام عن الماضي الاستعماري الأميركي، إنما الربط يبقى قائماً بين ذلك الماضي والسبب الذي من أجله تم تشريع حمل السلاح باعتباره حقاً أصيلاً لأي مواطن في ذلك الوقت.

لكن الواقع الأميركي المعاصر يقودنا إلى دائرة جهنمية يدفع الأبرياء ثمنها كل يوم، فبحسب بعض الإحصائيات الأخيرة هناك نحو ثلاثة عشر ألف ضحية للأسلحة النارية داخل الولايات المتحدة الأميركية كل عام.

الدراسات عديدة في مجال تبيان الآثار الكارثية لسهولة الحصول على السلاح، ومنها ما قدمته مجلة «نيوزويك الأميركية، حيث أشارت إلى أن إطلاق النار العشوائي الأخير في لاس فيجاس حمل الرقم 273 خلال الـ275 يوماً الأخيرة، أي أن هناك كل يوم حادثة على هذه الشاكلة.

هل يعني ذلك أن ضحايا حوادث إطلاق النار أكثر من ضحايا الإرهاب وبخاصة الذين سقطوا نهار الحادي عشر من سبتمبر 2001؟ يبدو أن ذلك كذلك بالفعل، بل المشهد أسوأ بكثير، فعلى سبيل المثال شهد عام 2016 قتل أكثر من 15 ألف مواطن أميركي، عبر 383 حادثة إطلاق نار عشوائي، واليوم وقبل نهاية العام بثلاثة أشهر تقريباً هناك 11 ألفاً و600 حالة مرتبطة بالمعضلة عينها. أيمكن أن تكون لعنة الآباء المؤسسين تحل بالأبناء والأحفاد اللاحقين؟ يكاد المرء يقطع بصحة المشهد سيما أن الولايات المتحدة الأميركية تعد الدولة المتفردة حول العالم، حيث بين كل مائة فرد هناك 88.8 شخص يحمل سلاحاً نارياً.

مثير جداً أمر «ستيفن بادوك» الجاني الاسمي في العملية الأخيرة، إذ كيف له أن يدخل إلى غرفة الفندق حاملاً هذا العدد الكبير من الأسلحة النارية الآلية وطلقات الموت، وهل كان للرجل أن يفعل ذلك إذا لم تكن الأجواء والسياقات القانونية تسهل له الحصول على هذه الأسلحة عبر حفنة دولارات.

كل شيء تقريباً على قارعة أميركا معروض للبيع، بدءاً من منصب الرئاسة الذي تتحكم فيه تبرعات رجال المال والأعمال وكبريات الشركات، وصولاً إلى الجيوش الخاصة، من عينة «بلاك ووتر» وأقرانها، أما الأسلحة القاتلة الشخصية فحدث عنها ولا حرج.

لم تحرك حوادث قتل الأطفال في المدارس الأميركية، ولا المقعدين في دور كبار السن، ولا المصلين في الكنائس، ناهيك عن الشباب في الملاهي، لم تحرك ساكناً عند رجالات الكونجرس «جمهوريين» أو «ديمقراطيين» للتجرؤ على إعادة النظر في التعديل الثاني من الدستور الأميركي، وكأنه نص إلهي منزل من السماء. أما مرد ذلك فهو العلاقة بين أصحاب مصانع السلاح وبين التبرعات الممنوحة لممثلي الشعب الأميركي من أعضاء الكونجرس. تبرعات تكفل لهم البقاء حتى لو مات من الأميركيين الآلاف سنوياً. هل سيغير ترامب المشهد؟ الرجل لم يقترب من عمق القضية أبداً، فهو من أنصار حمل السلاح، ومن صنيعة المجمع الصناعي العسكري الأميركي ودميته في الوقت الحاضر. طريق أميركا اليوم طريق حفاري القبور لو يعلمون.. نعم الكونجرس هو الجاني.

*كاتب مصري

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا