• الثلاثاء 27 محرم 1439هـ - 17 أكتوبر 2017م
  03:17    "جائزة الشيخة فاطمة لأسرة الدار" تعتمد القائمة القصيرة للفائزين بدورتها الثانية    

قصة كتالونيا.. وكفاح الانفصال

تاريخ النشر: الجمعة 06 أكتوبر 2017

يوم الأحد الماضي، مضت حكومة إقليم كتالونيا قدماً في تنظيم الاستفتاء حول الانفصال عن إسبانيا. ومن جانبها، مضت حكومة مدريد بقيادة رئيس الوزراء المحافظ ماريانو راخوي قدماً في تنفيذ وعيدها بمنع إجراء الاستفتاء، مدعومةً في ذلك بقرار المحكمة العليا الإسبانية التي اعتبرت تنظيم الاستفتاء منافياً للقانون، ولهذا الغرض لم تتوان الحكومة المركزية عن استخدام القوة والعنف، ما أسفر عن إصابة مئات الكتالانيين. غير أن التدخلات العنيفة لقوات الأمن ضد أنصار الاستفتاء وصور المصابين المضرجين بالدماء على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تؤدِّ إلا إلى إذكاء رغبة القوميين الكتالانيين في الانفصال ولم يزدهم ذلك إلا تصميماً وتشبثاً بمطالبهم. لكن كيف وصلت الأمور في إسبانيا إلى هذا الحد؟ وما الذي يدفع الكتالانيين للرغبة في الانفصال عن إسبانيا؟

الواقع أنه لطالما ساد الاعتقاد بأن إقليم الباسك، وبالنظر إلى الحملة العنيفة التي قادتها منظمة «إيتا» الانفصالية، هو الحلقة الضعيفة في السلسلة الإسبانية التي يَعتبرها البعض «دولةَ دُول» نظراً للتنوع اللغوي والثقافي وحتى العرقي الذي تحويه. وبالمقابل، كانت كتالونيا البراغماتية التي يحكمها قوميون معتدلون في إطار نظام حكم ذاتي، تبدو دليلاً على نجاح صيغة منح الحكم الذاتي لكل مناطق إسبانيا الـ17.

غير أن هذه التسوية القائمة على نقل السلطة من المركز إلى الجهات، التي أثارت الإعجاب عبر أوروبا التي انضمت إليها إسبانيا ما بعد فرانكو بفرح، يبدو أنها بلغت نهاية الطريق. فالباسك يبدون سعداء بأحوالهم اليوم، حيث يقومون بجباية ضرائبهم الخاصة وإرسال حصة منها إلى مدريد، كما تمكنوا من إعادة إحياء اقتصادهم الصناعي الذي كان يحتضر، وأعادوا إحياء لغتهم.

وبالمقابل، فإن كتالونيا، التي كانت النزعة الانفصالية فيها هامشية، هي التي صعدت اليوم إلى الواجهة باعتبارها تهديداً لمستقبل الدولة الإسبانية. فالأحد الماضي، لم تتراجع الحكومة الإقليمية عن تنظيم الاستفتاء حول الانفصال الذي أقسمت الحكومةُ المركزية على منعه. وكانت مدريد حصلت على أحكام من المحكمة الدستورية تمنع كل استفتاء باعتباره غير دستوري، وتهدِّد بإنهاء الحكم الذاتي الكتالاني بشكل نهائي.

وبلغ العداءُ بين الانفصاليين والوحدويين - في كتالونيا وإسبانيا- مستوى غير مسبوق، حيث يبدو أن النخبة السياسية والإعلامية في مدريد تعتبر حشودَ الانفصاليين التي تملأ شوارع برشلونة كل يوم وطني كتالاني منذ 2012 شبيهة بالتجمع السنوي للنازيين في ألمانيا. ووسط تبادل الشتائم واحتدام النقاشات التي تجمع «الشرعية» و«القانون»، ليس ثمة اتفاق بين الروايات حول كيف اتسع الشقاق بين الجانبين وتحول إلى هذه الهوة الواسعة والسحيقة التي نراها اليوم.

كتاب «الكفاح من أجل كتالونيا» للكاتب والصحفي رافائيل ميندر، يأتي في وقت مواتٍ جداً حيث صدر قبيل أسابيع قليلة من موعد الاستفتاء، وفيه يبحث الكاتب كيف ولماذا وصلت الحركة الانفصالية الكتالانية إلى رأس الأجندة السياسية الإسبانية، إضافة إلى علاقتها بالأزمة الأوروبية الأكبر التي تسببت فيها الردود السياسية الخاطئة على الأزمة المالية وغيرها من الأزمات. ومن خلال العمل الصحفي الميداني، إضافة إلى أكثر من خمسين مقابلة مع شخصيات كتالانية بارزة، يشرح رافائيل ميندر كيف يشعر الكتالانيون بخصوص اقتصادهم وتاريخهم وثقافتهم، وكيف حاولت القوةُ الانفصالية إعادةَ تشكيل الهوية الكتالونية.

والواقع أن القوميين الكتالانيين (والباسك) المعتدلين كانوا، في العادة، يحصلون على مزيد من السلطات والأموال من مدريد عندما تحتاج الحكومة القائمة، سواء الاشتراكيون أو الحزب الشعبي اليميني، لأصواتهم من أجل تمرير القوانين والميزانيات. غير أن الاشتراكيين يحتاجون للفوز بكتالونيا من أجل الفوز بإسبانيا. أما الحزب الشعبي، الذي يعتبره الكثيرون وريث ميولات فرانكو إلى مَركزة السلطة، فلم يستطع التغلب على القوميين والفوز بعدد أكبر من أصوات الناخبين مقارنة معهم، وكثيراً ما وجد خلال الـ 15 عاماً الماضية فائدةً انتخابية أكبر في استعداء المشاعر الكتالانية وكأن لسان حاله يقول: لماذا أقدِّّم تنازلات يمكن أن تُكسبني بضع عشرات آلاف من الأصوات في كتالونيا، ربما على حساب ملايين الناخبين في أماكن أخرى من إسبانيا، ملايين تحرّكهم بروباغندا اليمين؟

ويَعتبر ميندر أن المفارقة هي أن قرار الحزب الشعبي بمحاربة توسيع الحكم الذاتي الكتالاني، التي لم يقترحها القوميون وإنما الاشتراكيون، هي التي أفضت إلى انفجار الأزمة الحالية. ذلك أنه في 2010 قامت المحكمة الدستورية، واستجابةً لطلب من راخوي، زعيم الحزب الشعبي، الذي كان وقتها في المعارضة، لكنه كان ممثَّلاً بشكل جيد في محكمة يَعتبرها البعض مُسيَّسة، بإصدار حكم يُفرغ القانون المقترح من محتواه، رغم أن القانون الذي جرى تعديله صودق عليه في برلماني مدريد وبرشلونة، كما أن الكتالانيين صوَّتوا لصالحه في استفتاء. وبحلول 2015، فاز الانفصاليون بنسبة قياسية من الأصوات بلغت 47.7%.

وكانت تلك هي اللحظة التي قفزت فيها الحركةُ الانفصالية من الهامش إلى التيار الرئيسي في كتالونيا، وبات الانفصاليون الذين كانوا بالأمس بالكاد يستطيعون ملء كنيسة قادرين اليوم على ملء مدن. ومن القصص التي يسردها ميندر أن المديرَ الفني الكتالاني لدار الأوبرا في مدريد، خوان ماتابوش، أُوقف ذات مرة بأحد شوارع مدريد من قبل سيدة مسنّة وأنيقة الملبس، طلبت منه توقيع عريضة ضد القانون الكتالاني المعدَّل. ماتابوش قال لميندر إن الحزب الشعبي «خلق وحشاً بات اليوم يخيف الأشخاص أنفسهم الذين خلقوه!».

محمد وقيف

الكتاب: الكفاح من أجل كتالونيا

المؤلف: رافائيل ميندر

الناشر: سي هُرست آند كو. بابليشرز ليميتد

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا