• الأحد 02 صفر 1439هـ - 22 أكتوبر 2017م

رشيد الخيّون

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

البارزانية.. مكانٌ أم عشيرةٌ؟

تاريخ النشر: الأربعاء 20 سبتمبر 2017

تداول اسم البارزاني والبارزانية خلال مئة عام الماضية، داخل العراق وخارجه، لِما اتخذته هذه الأُسرة من مواقف سياسية تمثلت بالثورات، وارتبطت بها زعامة «الحزب الديمقراطي الكردستاني» (تأسس 1945)، وورد اسمها عند قيام جمهورية «مهاباد» (1946)، فالملا مصطفى البارزاني (ت 1979) كان رئيس أركان جيشها، واشتهرت أيضاً بعودته إلى العراق (1958) من المنفى واستقباله منقطع النظير بالبصرة، وتخصيص منزل نوري السعيد (قُتل 1958) لإقامته ببغداد، وفي حوادث الحرب والسلم.

أما اليوم فليس أكثر حضوراً في وسائل الإعلام من نجله رئيس الإقليم مسعود البارزاني، في قضية الاستفتاء على تقرير المصير، وقد وصل الجدل بين الأطراف إلى حد الإسفاف والزعيق بالكراهية، بين السياسيين، ناهيك عن الكُتاب والناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي.

هل ظهرت أهمية الأُسرة البارزانية بلا مقدمات تاريخية، لتتميز عن المجتمع الكُردي بالعمامة (الجمداني) الحمراء؟! فلا يعتمرها بهذا اللون غير البارزانيين، كعرف اجتماعي. يصعب التقاط معلومة مؤكدة عن الفصل بين المكان والعشيرة والمشيخة، فكلها جُمعت تحت عنوان «بارزان»، ناحية تقع بأعالي الجبال، واُختلف بالاسم بين اشتقاقه من «به برز العالي»، أو «بارسان» بمعنى العابد (بابان، أسماء المدن والأمكنة العراقية)، وقيل غير ذلك.

أول مَن برز منها الشيخ تاج الدين، مريد مولانا خالد النقشبندي (ت 1826)، صاحب الطريقة النَّقشبندية بالعراق، ومن سلالة تاج الدين برز الشيخ عبد السلام (أُعدم 1914-1915)، ثم أخواه: أحمد ومصطفى البارزاني.

خرج عبد السلام بآراء اجتماعية خاصة، لم تكن بعيد عن حركات مجاورة مثل حركة «حه قه» النقشبندية أيضاً، كإلغاء ملكية الأرض، والمهر والزواج القسري، وتشكيل لجان في بالقرى لإدارة شؤونها، وبسبب هذه الإجراءات اُتهمت المشيخة، من قبل الآخرين، بالصدود عن الدين، وخصوصاً ما يتعلق بالنساء.

بعدها تقدم الشيخ عبدالسلام إلى حكومة الاتحاديين العثمانية (1909)، بمطالب منها: الكردية لغة رسمية بالأقضية الخمسة: دهوك، زاخو، عمادية، عقرة، وسنجار، ورؤساء الوحدات الإدارية وبقية الموظفين يجيدون التحدث بالكردية. والقضاة والمفتون من المذهب الشافعي (توفيق، الحياة السياسية في كردستان). وبدلاً من الاستجابة أُعتقل الشيخ وأُعدم بالموصل.

تأثراً بإعدام أخيه مال أحمد البارزاني (ت 1969) إلى الهدوء، والتفاوض مع البريطانيين، طالباً الإشراف على قرى راوندوز، وبعد فشله لجأ إلى عصبة الأُمم المتحدة مقترحاً الحكم الذاتي على تلك المناطق، ولم يحصل على هذا. لكنه بعدها قام بحركة مسلحة ضد الحكومة العراقية (1931)، وفيها برز اسم أخيه الملا مصطفى (عيسى، المشكلة الكردية في الشرق الأوسط)، وبهذا تفرغ الشيخ أحمد للمشيخة، محاولاً أن يخلف عليها الشيخ خورشيد (أعدم 1983)، مع وجود نجله المنافس عثمان (أسسرد، أُصول العقائد البارزانية)، أما نجله الأكبر محمد خالد البارزاني (ت 2005)، فأسس «حزب الله الكردستاني»، بعقيدة صوفية نقشبندية مختلفة.

بعد انتفاضة (1947) وإعدام الضباط الكُرد الذين عادوا طائعين، اعتقل الشيخ أحمد، ولم يحرر من سجنه حتى 14 يوليو 1958، أما الملا مصطفى فعاش منفياً حتى عودته مثلما ذكرنا، ثم تتالت الحوادث من اتفاق (1970) إلى حرب (1975)، ووفاته خارج العراق.

هناك من ربط بين الحركة البارزانية وثورات قديمة، كالبابكية في العهد العباسي، على أنها سليلة لها وأخذت من تعاليمها، وكانت تلك الحركة محل مدح وذم حسب توجه المؤرخين، وهذا على ما نعتقد بعيد جد، وفيه إقحام للتاريخ. ولعل الشيخ معن العجلي (قومي إسلامي) أول مَن قرن البارزانية بالبابكية، في كراسه «ماذا في شمال العراق» (1968) تأييداً لسياسة وزير الدفاع العقيلي (ت 1981)، القاضية بالحل العسكري، وضد رئيس الوزراء البزاز (ت 1973) المتبني الوفاق مع الحركة، وكاد الأخير ينجح بذلك، فآنذاك لم يكن مطروحاً حكم ذاتي ولا فيدرالية ولا انفصال، إنما حقوق مواطنة، وقد وصفهم العجلي ببابكية العصر بأمارة إجراءات الشيخ عبد السلام الاجتماعية وعصابة الرأس الحمراء، وعدم التشدد في الطقوس الدينية.

وقفنا في (10/2000) على قبري الملا مصطفى ونجله إدريس وكانا مندرسين، ففُسر ذلك بالمنحى الديني، وهناك مَن عبّر عن الالتزام الديني لدى «البارزانية» بـ«شريعة بلا طقوس» (أُصول العقائد). كانت المناسبة الاحتفال بمئوية الجواهري (ت 1997)، وإن نسي البارزانيون مِن ذكرى لهم مع بقية العراق، فلا ينسون تخليده للملا مصطفى، عندما قال فيه، وكان يُناشد الرئيس البكر (ت 1982)، بمناسبة بيان 11/3/1970: «يا أيها الشَّيخُ الرئيسُ تحيةً/ هي في صميم الودِ والإعجابِ/ جاذبَت مِن صقر الشِّمال وإنه/ بالعزِ أمنعُ مِن مُطار عُقابُ/ ومسحت غضبة قسورٍ عن وجهه/ ولقطتَ عن فمه مرارة صابِ » (الديوان 2000). فُسر البيت الأخير، بعد إذاعة القصيدة ونشرها، بأن الشاعر جعل البارزاني سيداً والرئيس «نادلاً»، فتقرر حذف المقطع (العلوي، الجواهري ديوان العصر)، وبالفعل لم نجده في طبعات الديوان الأُخر.

على أية حال، مَن يقرأ تاريخ البارزانية يجده مزيجاً مِن المكان والعشيرة والأُسرة والمشيخة والحركة أيضاً.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا