• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

د. عبدالله المدني

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

إندونيسيا وخطر الجماعات المتطرفة

تاريخ النشر: الأحد 17 سبتمبر 2017

اعتاد رؤساء إندونيسيا أن يوجهوا خطاباً للأمة في السابع عشر من أغسطس من كل عام المصادف لتاريخ الاحتفال بيوم الاستقلال. وفي الاحتفال بهذه المناسبة الوطنية هذا العام طغى على خطاب الرئيس «جوكو ويدودو» مسألة التحديات التي تواجه إندونيسيا، كبرى ديمقراطيات العالم الإسلامي من حيث عدد السكان، لجهة انتشالها من الفكر المتطرف الذي بات ينتشر بصورة غير مسبوقة في أوساط بعض التيارات والتنظيمات المحلية، والتصدي لخطره على وحدة البلاد ومكوناتها الدينية والعرقية المتعددة.

وفي هذا السياق، شدد الرئيس «ويدودو»، الذي وصل إلى السلطة خلفاً للرئيس السابق «سوسيلو بامبانج يودويونو» في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأخيرة في يوليو 2014، على ضرورة العمل الجماعي ليس من أجل اقتصاد قائم على المساواة، وإنما أيضاً من أجل فكر يعزز الإجماع الوطني على مبادئ دستور عام 1945 ويحميها ممن يسعون إلى الإخلال بها أو تجاوزها. والمعروف أن إندونيسيا منذ استقلالها زمن الرئيس الأسبق أحمد سوكارنو سنّت لنفسها دستوراً يرتكز على خمسة مبادئ عرفت باسم «البانتشاسيلا»، وذلك قطعاً للطريق على من حاولوا تأسيس دولة إسلامية مطبقة للشريعة، وبالتزامن مع ذلك اختارت البلاد «الوحدة من خلال التنوع» شعاراً وطنياً لها بهدف حماية الأقليات غير المسلمة وصهرها في المجتمع ورعاية حقوقها ومصالحها.

صحيح أن الغالبية العظمى من الشعب الإندونيسي، الذي يتجاوز عدده اليوم 255 مليون نسمة، ملتزمة بالمبادئ والشعارات التي تأسست عليها بلادها قبل نحو 72 عاماً، بدليل المظاهرات الحاشدة التي خرجت في شوارع جاكرتا في أواخر 2016 تأييداً للوحدة الوطنية بغض النظر عن اختلاف الدين أو العرق أو الجنس، وقلقاً من ظهور علامات ومؤشرات تفيد بتزايد التعصب العنصري والديني في البلاد.

ولعل الجزئية الأخيرة هي التي دفعت الرئيس «ويدودو» إلى تخصيص حيز معتبر من خطابه للحديث عما تواجه بلاده المترامية الأطراف من مخاطر التطرف والتشدد التي لم تشهدها إندونيسيا إلا بُعيد عودة نفر من مواطنيها من ساحات الجهاد الخارجية، وعودة آخرين من جامعات شرق أوسطية وهم مسلحون بإسلام غير الإسلام الوسطي الذي تربوا عليه على أيدي المهاجرين المسلمين الأوائل من عدن وحضرموت. وبطبيعة الحال استغل هذا النفر أجواء الحريات التي ترسخت بعد سقوط نظام الرئيس سوهارتو في عام 1998 في العمل السياسي وفق أفكاره المتشددة السقيمة.

تقول آخر الدراسات المنجزة حول تنامي ظاهرة التطرف والتشدد في إندونيسيا إن الأخيرة لديها تنظيمات خطرة لا تسعى فقط لتغيير هوية الدولة الإندونيسية، وإنما تسعى جاهدة أيضاً لمد أنفها في شؤون دول أخرى من خلال التجنيد والتدريب والتسليح وجمع الأموال تحت لافتة «الجهاد لنصرة الإخوة المظلومين والمضطهدين». وإذا كانت أحد مظاهر هذه الحملة تتجسد في ما قام ويقوم به «منتدى أمة الإسلام» لدعم الروهينجيا المسلمين في بورما، فإن المظاهر الأخرى تجسدها حملات مشابهة لدعم الجماعات الجهادية السورية الأكثر تطرفاً. كما تجسدها الحملات التي تقوم بها بقايا أنصار «الجماعة الإسلامية» بقيادة رجل الدين المثير للجدل أبوبكر باعاشير من أجل تحقيق حلم الأخير بإقامة دولة الخلافة المشتملة على إندونيسيا وجاراتها في جنوب شرق آسيا كمرحلة أولى.

ما ذكرناه آنفا من حملات، معطوفاً على بعض الحوادث التي وقعت مؤخراً في جاكرتا مثل اعتقال الشرطة لخمسة أشخاص، كانت بحيازتهم مواد كيماوية لصنع القنابل بغية شن هجوم على قصر مرديكا الرئاسي استرعى انتباه مراكز الدراسات الغربية المعنية بالشأن الإندونيسي، ولاسيما الأسترالية منها، فعكفت على جمع المعلومات وتحليلها لتصل إلى نتيجة مفادها أنه توجد حالياً في إندونيسيا تنظيمات متطرفة عديدة، إنْ لم تقم السلطات بعمل حاسم وحازم تجاهها اليوم، فقد تندم غداً، خصوصاً وأن مجرد حظرها لم يسفر عن شيء. من هذه الجماعات المتطرفة:

1 (جماعة انتشار التوحيد)، وهي جماعة تتلاعب بالنصوص الدينية من أجل بلوغ أهدافها. إذ يذكر أنها أصدرت فتوى تقول بأن الذهاب للجهاد في سوريا له الأولوية على الذهاب إلى مكة للحج والعمرة. ومن ضمن قيادتها القديمة المدعو «أبووردة»، الذي وضعته الأمم المتحدة في قائمة المطلوبين لارتكابه جرائم بشعة باسم تنظيم «القاعدة».

2 (جمعية هاسي)، وهي لئن كانت تعتبر نفسها في مقام «جمعية الهلال الأحمر الإندونيسي»، إلا أن لا علاقة لها مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، ولا تخضع لمبادئها، كما أنها غير ملتزمة بتوجهات الحكومة الإندونيسية. حيث إنها تأسست على يد بعض النشطاء والجهاديين الشباب ممن يديرونها ويشرفون على أنشطتها ويجمعون التبرعات المالية باسمها دون حسيب أو رقيب.

3 (جبهة الدفاع عن الإسلام)، وهي جماعة تأسست عام 1998 على يد شخص يدعى حبيب محمد شهاب، وبدعم من العسكريين المؤيدين للرئيس الأسبق سوهارتو. وكانت أهدافها في بداية الأمر محصورة في القيام بمهمات رجال الحسبة، لكنها شيئا فشيئاً تحولت إلى مجموعة تستخدم العنف المسلح والتخريب وإشعال الحرائق ضد الأقليات ومصالحها التجارية بدافع الكراهية والترهيب.

4 (منتدى علماء إندونيسيا)، ويتزعمه المدعو «محمد غاتوت سابتونو» الشهير بمحمد الكثّاث، وهو من الذين عملوا طويلا مع «حزب التحرير الإسلامي» الساعي لإعادة دولة الخلافة الإسلامية قبل أن ينشق عنه ويؤسس هذا المنتدى، ويدفع به للتحالف مع جبهة الدفاع عن الإسلام من أجل تأسيس نظام إندونيسي جديد مطبق للشريعة. والمعروف أن «الكثاث» معتقل الآن بتهمة المشاركة في التخطيط للإطاحة بالرئيس «ويدودو».

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا