• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

نوح سميث

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

أميركا وكوريا.. الشراكة الرابحة

تاريخ النشر: الخميس 14 سبتمبر 2017

يقال إن الرئيس دونالد ترامب يتخذ خطوات لإعادة التفاوض أو إلغاء اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. اسمحوا لي أن أفسر هنا لماذا تعد هذه فكرة سيئة بشكل كبير. لقد دافع العديد من الكُتاب عن هذا الاتفاق. فمنذ توقيعه، استثمرت كوريا الجنوبية بصورة أكبر في الولايات المتحدة، ما خلق فرص عمل للأميركيين. وفي هذا السياق قال الكاتب «ديفيد فولودزكو»، إن صادرات الولايات المتحدة من الخدمات قد ارتفعت أيضاً، ما خلق فائضاً تجارياً في الخدمات بقيمة 10 مليارات دولار. وهذا ينمّ عن كون كوريا الجنوبية حليفاً بالغ الأهمية للولايات المتحدة، ومن ثم فإن أي تقليص التجارة مع الحلفاء الرئيسين هو بمثابة خطوة جيوسياسية سيئة.

والسؤال: كيف يمكن أن تضر بعض تداعيات التجارة الحرة الأميركيين؟ في العقد الأول من القرن الـ21، ظهر أنه عندما يأتي تدفق كبير من العمالة الأجنبية الرخيصة وعالية الإنتاجية إلى السوق، فإن ذلك من الممكن أن يضر بالعمال في الدول الغنية. وعندما فتحت الولايات المتحدة أبواب التجارة مع الصين، كان لقوة العمل الضخمة في ذلك البلد، والتصنيع السريع والإنتاجية العالية أثرها السلبي على الكثير من العمال في أميركا. وبدلاً من إيجاد وظائف جديدة في أدوار مماثلة، مُنِيَ معظمهم بتخفيضات كبيرة ودائمة في الرواتب، وانتقلوا لشغل وظائف في قطاع الخدمات الذي يحتاج إلى مهارة أقل، أو انتقلوا إلى مجال الرعاية الاجتماعية.

ولكن مع كوريا الجنوبية، ليس هناك خطر بأن تواجه الطبقة العاملة مثل هذا التحدي نفسه. وربما يميل بعض الناس عادة إلى وضع كوريا والصين معاً في سلة واحدة؛ لأن كلاً منهما في شرق آسيا، ولدى كل منهما فائض تجاري مع الولايات المتحدة، واقتصاداهما بشكل عام يميلان إلى الصادرات والتصنيع. بيد أن هناك أيضاً فارقين كبيرين يجعلان التجارة مع كوريا فرصة أكثر منها تهديداً، فكوريا أكثر ثراء بكثير من الصين، وأصغر حجماً أيضاً بكثير.

ومن ناحية أخرى، فالتجارة بين البلدان الغنية تختلف عن التجارة بين الدول الغنية والدول الفقيرة. ولدى كوريا وأميركا تخصصات صناعية متشابهة على نطاق واسع - فكل منهما تصنع الكثير من السيارات والإلكترونيات والآلات، وغيرها من الأشياء عالية القيمة التي تجذب استثمارات رأس المال إلى الإنتاج. ووفق نظرية «إيكون 101» التجارية التقليدية، التي تستند على مبدأ الميزة النسبية، فالتشابه بين الاقتصادات الأميركية والكورية يعني أن لديهما أسباباً ضئيلة للتجارة. وفي الواقع، على رغم ذلك، فالتجارة بين الدول الغنية شائعة، حتى عندما تكون المنتجات متشابهة للغاية -وعلى» سبيل المثال فكوريا تشتري الكثير من هواتف «آيفون» النقالة وأميركا تشتري أيضاً الكثير من هواتف «سامسونج».

ثم جاء الخبير الاقتصادي «بول كروجمان»، حائزة جائزة نوبل للاقتصاد، بنظرية لتفسير أسباب حدوث ذلك. وتمثل نظريته أهم تغيير في تفكير الاقتصاديين بشأن التجارة منذ عهد ديفيد ريكاردو. ويرى كروجمان أن الناس يحبون التنوع في الأشياء التي يشترونها -البعض يحب «آبل»، وبعضهم الآخر يحب «سامسونج». واستخدم كروجمان تلك الفكرة لتفسير أنماط التجارة التي حيرت خبراء الاقتصاد لعقود.

ويستوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من حيث تعادل القوة الشرائية، يعد ثراء الصين مقابل ربع ثراء الولايات المتحدة، في حين أن كوريا تعادل ثلثي نسبتها في الثراء. ولذا، فمن المرجح أن تتبع التجارة بين أميركا وكوريا نموذج كروجمان. ومن الممكن رؤية هذا بالنظر إلى ما تصدره الولايات المتحدة وكوريا إلى بعضهما بعضاً:

فلدى كوريا فائض تجاري في فئات، مثل الآلات والإلكترونيات والمركبات. ولكن الولايات المتحدة تصدّر هذه الأشياء إلى كوريا، حتى وإن كانت كوريا تبيعها للولايات المتحدة.

وهذا يعني أن كوريا لن تحدث هذا النوع من الصدمات للعمال الأميركيين، كما فعلت الصين. فعندما بدأت الصين في تصنيع كل شيء من لعب الأطفال إلى الإلكترونيات إلى الملابس وقطع غيار السيارات، خسرت الولايات المتحدة ببساطة هذه الصناعات. ولكن عندما تزداد التجارة بين الولايات المتحدة وكوريا، فإن كل واحدة من الدولتين ستبيع مزيداً من السيارات والآلات والإلكترونيات للأخرى. وهذا يعني أن العمال الأميركيين العاملين في هذه الصناعات لن يخشوا من الزج بهم في وظائف ذات أجور ضعيفة -إن كوريا تمثل فرصة لهم، وليست تهديداً. إن قطع التجارة مع كوريا سيكون مثل منع ولاية «كنتاكي» من التجارة مع كاليفورنيا.

نوح سميث

أستاذ المالية بجامعة «ستون بروك» الأميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا