• الأربعاء 29 ذي الحجة 1438هـ - 20 سبتمبر 2017م

د. وحيد عبد المجيد

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

تركيا وإيران في سوريا

تاريخ النشر: الأربعاء 13 سبتمبر 2017

لا يفتقر تفاؤل المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميتسورا إلى أساس يستند عليه. صمود اتفاقات خفض التصعيد في ثلاث مناطق متفاوتة المساحات يبعث على شيء من التفاؤل بالفعل، غير أن أي تفاؤل بإحراز تقدم نحو حل سياسي في سوريا لابد أن يقترن بكثير من الحذر، لأسباب من أهمها، أن مصالح تركيا وإيران يمكن أن تُربك أي تحرك جاد نحو هذا الحل.

اختارت روسيا هاتين الدولتين لإشراكهما معها في مسار أستانة الذي أطلقته في يناير الماضي، عندما اتجهت إلى البحث عن حل سياسي عقب الحسم العسكري في حلب، لأنهما أكثر دول المنطقة حضوراً في قلب الأزمة. والأرجح أن موسكو تطلعت لأن تكون مشاركتهما في هذا المسار دافعة إلى تحول إيجابي في سياساتهما، غير أن هذا التحول لم يحدث، ولا يوجد ما يدل عليه بعد نحو ثمانية أشهر على إطلاق ذلك المسار.

تتصرف إيران وتركيا في سوريا بطريقة لا تختلف عن سلوك الدول الاستعمارية التي تضرب عرض الحائط بقواعد القانون الدولي في سبيل تحقيق مصالحها. ومن هنا أهمية تحذير الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة في 29 الشهر الماضي من انتهاكهما سيادة سوريا، ونظرتهما ذات الطابع الاستعماري إلى المنطقة العربية. وتزداد أهمية هذا التحذير حين يُقال في حضور سيرجى لافروف وزير خارجية روسيا، لأنه ينطوي على رسالة مفادها أن وضع حد لنفوذ هاتين الدولتين في سوريا ضروري لحل أزمتها.

والمفترض أن يكون صانع القرار في الكرملين مدركاً عدم إمكانية التوصل إلى حل في ظل هيمنة تركيا وإيران على مساحات كبيرة من الأراضي السورية بواسطة فصائل وميليشيات تابعة لكل منهما.

وتكفي أية نظرة على الخريطة السورية الراهنة للتأكد من أخطار استمرار نفوذ إيران وتركيا العسكري والسياسي. تتركز هيمنة تركيا العسكرية في شمال سوريا، وتحديداً في المنطقة المحاذية للحدود المشتركة بين البلدين، حيث توجد قوات الفصائل التي خاضت معركة أُطلق عليها «درع الفرات». وتسيطر هذه الفصائل، التي دربتها وسلَّحتها ومولتها تركيا، وتعمل تحت إشراف ضباط أتراك، على المنطقة الممتدة من جرابلس إلى إعزاز شمالاً، وإلى مدينة الباب والحدود الإدارية لمدينة منبج جنوباً بعمق 30 كم. وكان وزير الخارجية التركي مولود أوغلو قد أعلن في آخر يوليو الماضي أن مساحة هذه المنطقة تبلغ نحو ألفين كم2، ما يعني أنها تمتد بطول نحو 70 كم.

كما تتطلع تركيا إلى توسيع هيمنتها العسكرية لتمتد إلى منطقة عفرين الخاضعة لقوات «سوريا الديموقراطية» (قسد) الكردية، لكن حاجة الولايات المتحدة، وروسيا أيضا، إلى دور «قسد» في محاربة «داعش» والقضاء عليه في مدينة الرقة، تدفعهما إلى رفض أي تحرك تركي باتجاه عفرين حتى الآن. وترغب تركيا أيضاً في مد هيمنتها العسكرية إلى منطقة الشهباء شمال حلب.

أما مناطق هيمنة إيران العسكرية فأوسع نطاقاً، إذ تتوزع في كثير من المحافظات السورية، وتنتشر فيها نحو 50 ميليشيا محلية وأجنبية تابعة لها، إلى جانب ضباط وخبراء من «الحرس الثوري».

غير أن المنطقة الأكثر أهمية، والتي يمثل وجود إيران فيها أحد أكبر العوائق أمام أي حل سياسي، هي تلك الممتدة من مطار دمشق الدولي، الذي تتولى ميليشيات تابعة لإيران حمايته، إلى الحدود مع لبنان، مروراً بالريف الجنوبي والشرقي للعاصمة السورية.

وتُعد هذه المنطقة بمثابة قلب الوجود العسكري الإيراني في سوريا، إذ تتيح لطهران السيطرة على العاصمة، وضمان الطريق إلى لبنان.

وتأتي محافظة حمص في المرتبة الثانية على صعيد الأولويات الإيرانية في سوريا. ويتيح الوجود في هذه المحافظة توسيع نفوذ إيران في أكثر من اتجاه ليصل إلى محافظات ساحلية مثل اللاذقية، وأخرى شمالية مثل حلب وحماة، وربما أيضا إدلب في حالة اتخاذ قرار روسي دولي بشن حرب لإخراج «جبهة فتح الشام» (جفش) الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة» منها.

ويؤدي تأمل الخريطة السورية الراهنة على هذا النحو إلى التأكد من عدم إمكانية التقدم نحو حل سياسي جاد دون وضع حد لهيمنة تركيا وإيران على مناطق واسعة في سوريا. وإذا كانت هذه الهيمنة خطراً على مستقبل سوريا والمنطقة في كل الأحوال، يزداد خطرها في حالة اتجاه تركيا وإيران إلى تعاون يصعب استبعاده إذا اضطرتا إليه للمحافظة على النفوذ الذي اكتسبته كل منهما في سوريا.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا