• الاثنين 05 محرم 1439هـ - 25 سبتمبر 2017م

الصين.. دوافع وروافع الصعود

تاريخ النشر: الجمعة 08 سبتمبر 2017

لقد أصبحت الصين هي القوة الاقتصادية العالمية الثانية، وهي تسير الآن بخطى متسارعة على طريق التحول إلى القوة الدولية الأولى، محققة أثناء مسيرة صعودها الحثيثة هذه تحولات اقتصادية وعلمية وعسكرية كبرى. كما تلعب أيضاً في الوقت نفسه دوراً خارجياً متعاظماً على المسرح الدولي، وخاصة بالنظر إلى قوتها التصديرية الهائلة، وانخراطها الواسع في كل ما تتيحه العولمة من مباهج، وما تفتحه من أبواب على صعيد التجارة الدولية. هذا ما يذهب إليه الكاتب الفرنسي جاك غرافيرو في كتابه: «الصين المنافسة: تحقيق حول قوة عظمى غريبة»، الذي يستعرض فيه من وجهة نظر أوروبية، وغربية بصفة عامة، ما يعتبره أوجه قوة ونقاط ضعف في بنية القوة العظمى الصينية الصاعدة. ولعل مما يزيد من قيمة هذا الكتاب أن مؤلفه يعتبر الآن أحد أبرز المتخصصين الأوروبيين في شؤون آسيا المعاصرة، كما أنه أيضاً هو الرئيس الشرفي لمعهد «أوراسيا» الذي أسسه أصلاً وتولى إدارته لمدة خمس وعشرين سنة. وله مؤلفات متصلة في معظمها بالشأن الآسيوي منها «الصين ما بعد اليوتوبيا»، و«اليابان في القرن العشرين»، و«آسيا الكبرى».

وفي هذا الكتاب يرى المؤلف أن القوة المرنة الصينية القائمة بشكل خاص على الجانب الاقتصادي، جعلت العملاق الآسيوي قادراً على غزو جميع أسواق العالم، وبالتالي عادت عليه العولمة والانفتاح التجاري بقدر غير قليل من المكاسب الاقتصادية التي انعكست على الداخل الصيني نفسه، حيث تم انتشال أعداد هائلة من السكان من تحت خط الفقر، وارتفع معدل الدخل ومستويات المعيشة، وأخذت قصة الصعود اللاحقة تترجم نفسها إلى صور مختلفة من النفوذ وأوراق القوة جعلت الصين تتحول مع مرور الوقت إلى أحد أكثر اللاعبين الدوليين استفادة من العولمة كفكرة وكممارسة، على حد سواء.

وهذا التحول الاقتصادي الكبير فتح أفق الطموح الصيني أكثر على العالم، وزاد من تطلعاتها الدولية، وإن بقيت أيضاً مع ذلك مسارات لابد من قطعها، وشروط لابد من اجتراحها وتحقيقها، لتضييق المسافة الفاصلة حتى الآن بين الحلم والواقع، بين الصين الصاعدة بكل ما تواجهه من تحديات، والصين المتطلعة لتصدر المشهد الدولي، أو على الأقل الاحتفاظ بموقع من مواقع الصدارة الأولى فيه، على كل حال. وهنا يغوص الكاتب في المشهد الصيني الراهن مبرزاً ما يعتبره مؤشرات دالة على كلا الجانبين، جانب معيقات الواقع ومطباته وإكراهاته، وجانب دوافع وروافع الصعود المنشود والممكن إلى أبعد الحدود.

وفي الجانب الأول هنالك بعض التحديات الداخلية، التنموية والسياسية، التي يرى المنتقدون أنها إن لم تعالج يمكن أن تجعل الصين عملاقاً كبيراً ولكن بأقدام من طين، فضلاً عن المآخذ واسعة الانتشار في الغرب على النموذج التجاري العولمي الصيني نفسه، وفي الجانب الثاني يستعرض إمكانات العملاق الآسيوي اللامحدودة لتجاوز كل تلك التحديات، وخاصة مع وجود زعامة جديدة أكثر انفتاحاً وقدرة على قراءة المشهدين الداخلي والخارجي، والمواءمة بين ما هو كائن الآن، وما هو ممكن في المستقبل. وهنا يتوقف بشكل خاص عند دلالة النموذج الصيني العولمي الذي بشر به الرئيس الصيني في المنتدى الاقتصادي العالمي في «دافوس» في دورته الأخيرة، وهو أول زعيم صيني يشارك في هذا المنتدى، حيث سعى بكل الطرق لتقديم بلاده كحامٍ جديد لقيم العولمة، والتجارة الحرة، وقواعد المنافسة التجارية العادلة، وخاصة في لحظة يسود فيها شعور عام بتنامي حالة الانكفاء الأميركي مع الإدارة الجديدة في واشنطن. ولكن الكاتب يرى أيضاً في هذا المقام أن بكين تتعامل، هي أيضاً، مع مفاهيم العولمة التجارية بطريقة انتقائية، حيث لا تفتح معظم قطاعاتها للمنافسة، في حين تزاحم في أسواق الآخرين وتستنفد كل فرص المنافسة في الأسواق الخارجية.

حسن ولد المختار

الكتاب: الصين المنافِسة: تحقيق حول قوة عظمى غريبة

المؤلف: جاك غرافيرو

الناشر: أورغانيزاسيون

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا