• الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ - 12 ديسمبر 2017م

رشيد الخيّون

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الفكر الإسلامي.. نتاج أزمنة وظروف

تاريخ النشر: الخميس 17 أغسطس 2017

عُقدت ضمن موسم أصيلة الثَّقافي (22/7/2017) ندوة تحت عنوان «الفكر الإسلامي الراهن...»، قاد العنوان إلى البحث في الماضي، والفكر عادة مرتبط بحاضرٍ وماضٍ، فإذا عرفنا ظروف تشكيل الفكر الإسلامي، على مدى التَّاريخ، سَهل علينا فهم الفكر الراهن وأحطنا بنشأته، ومدى ارتباطه بالسياسة والحزبية وتأثره بالمستجدات، فالذين أنتجوه رجال سياسة، حاولوا طلاءه بقدسية المفاهيم والمصطلحات، كالقول بـ«الحاكمية الإلهية»، حسب كتاب المودودي (ت1979) «الحكومة الإسلامية»، ونظيرها «ولاية الفقيه»، حسب الخميني (ت1989) «الحكومة الإسلامية» أيضاً.

ظهرت على أساس الكتابين المذكورين الدَّعوة إلى شعار «الإسلام هو الحلُّ» كحكومة. قد يقول القائل، وماذا عن كُتب سيد قطب (أعدم 1966)؟! نقول: مَن يقرأ المودودي يستغني عن قطب. هذا ليس قولنا إنما إضافة إلى ما يكشفه الباحث، في كتبه وكتب المودودي، بلا عناء، يسبق المودودي نفسه لتوضيح التَّشابه: «إن ما ورد في كتاب معالم في الطَّريق هو نفسه ما أراه، بل كأنني الذي كتبته، فقد عبَّر عن أفكاري بدقة» (العقيل، مِن أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة).

يمكن الحديث عن تشكيل بُنية الفكر الإسلامي، عبر مراحل تاريخية، كانت البداية بمكة، حيث الدعوة، والتي تناسبت ظروفها مع الآيات التي نزلت هناك، فقد عُرفت سور الكتاب الكريم بالمكية والمدنية، فكانت الدَّعوة بمكة إلى الحرية الدِّينية، والتَّعايش وتغليب الموادعة، وأن أغلب الآيات التي نسخها فقهاء «النَّاسخ والمنسوخ»، كانت أساس الدِّين: البلاغ والإنذار وعدم السَّيطرة والوكالة والإكراه.. إلخ.

ثم جاءت الفترة المدنية، بعد الهجرة، فنزلت النصوص التي تُناسبها، حيث القتال، وبسط الدَّعوة على القبائل، وهذا ما احتاج إلى نصوص خاصة، مثل التحذير مِن النِّفاق، فظهر مَن عُرف بالمنافقين، والشِّدة على الخصم، وتأليف القلوب، وأهم سورتين مثلتا المرحلة: «الأنفال» و«التَّوبة»، ومعلوم أن المعتزلة ومنهم قاضي القضاة عبد الجبار (ت415هـ)، قال في «خلق القرآن»: «الله أحدثه بحسب مصالح العباد، وهو قادر على أمثاله، وإنه يوصف بأنه مخبر به، وقائل وآمر وناهٍ من حيث فعله» (المُغني في أبواب التَّوحيد والعدل).

أراد الشَّيخ السُّوداني محمد محمود طه (أعدم 1985) في «رسالة الإسلام الثَّانية» القول: إن الأصل في الإسلام تلك النُّصوص المنفتحة على الآخر، والتي مثلتها الفترة المكية، وأتى على سلسلة مِن المضافات مِن قِبل الفقه، ومِن نصوص القتال التي لها ظروفها، يوم كان الدِّين دعوة، مما أدى إلى إعدامه بقوانين الشَّريعة المؤيدة مِن قِبل «الإخوان المسلمين» و«أنصار السُّنة».

جاءت الفترة الرَّاشدية امتداداً للفترة المدنية، فيها القتال مع المتمردين بسبب الزَّكاة، ثم الفتوحات، وما احتيج إلى تشريعات كـأحكام غير المسلمين، أهل البلدان المفتوحة. أما ظروف الدولتين الأموية والعباسية فكانت مختلفة، أُضيف فيهما من الفكر ما يخدم الإمبراطورية، فالفتوحات استمرت حتى خلافة عمر بن عبد العزيز (ت101هـ)، أو بعده بقليل. وبرزت الخلافات الفقهية، وافترق المسلمون على مذاهب، وظهرت كُتب الخراج والأحكام السُّلطانية، و«الناسخ والمنسوخ»، وكُتب التفسير. ظهر أدب السُّلطة وأدب الثَّورة، فما عند فقهاء المعتزلة، والأشاعرة، والإباضية، والزَّيدية، والإسماعيلية، والإمامية، وبقية الفِرق والمذاهب، غير ما عند فقهاء الخلافة الرَّسمية، ناهيك عما بُث في كُتب الأدب والفكر، مِن آراء خاصة بعلاقة الدِّين بالسِّلطة.

على أي حال، لم يُبنَ الفكر الإسلامي في زمن واحد أو ظرف واحد، إنما عبر أزمنة متتالية، ولكلِّ زمن ظرفه ولكلِّ ظرف حُكمه، فحتى الكتاب نفسه تأخر جمعه وتوحيده في نسخة واحدة (انظر: السَّيوطي، الإتقان في علوم القرآن وسواه من الكتب التي تناولت تاريخ كتابة القرآن)، وبعد نحو مئة عام بدأ تدوين الحديث، الكُتب السِّتة عند السُّنة، وأولها صحيح البخاري (ت256هــ)، وأول كتاب حديث لدى الإمامية تناول الإمامة،»الكافي«لمحمد الكُليني (ت329هــ).

لو نظرنا إلى تلك الظُّروف، التي أوجدت حسب طبيعتها، التشدد وضده، لتوقفنا ملياً عند الخلاف المذهبي الفظيع، وعند مسلمات الإسلام السِّياسي، التي تُظهر الإسلام سياسة، وأن ما يطبقونه في أحزابهم ومنظماتهم هو الإسلام الأول، الذي لم تتأثر بنيته في ما استجد وأُنتج مِن فِكر.

نعم، العبادة واحدة، لكنَّ الاختلافَ في الأذان وهيئة الصَّلاة أو رؤية الهلال، والمعاملات استجد وفق ظروف، وإلا ليس مِن المعقول أن كلَّ فريقٍ يقول أنا الأصل! تلخص الحكاية الآتية، زحمة ما يجري مِن اختلاف: «كان للحسن بن قيس... ابن شيعي، وابنة حروريَّة، وامرأة معتزلية، وأخت مرجئية، وهو سُني، فقال لهم يوماً: أراني وإياكم طرائق قداداً»، هذا وكان الرَّجل أعمى (الزَّمخشري، ربيع الأبرار)، والقدة تعني الفِرقة. إن النَّظر في تلك الظُّروف، وما انتجت يخفف مِن غلواء التَّعصب، والانفراد بالحق، ويردُ بحِكمة على مَن يدعي السِّياسة عبادة!

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا