• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

محمد حسن الحربي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

زايد والناس.. مشاعر الحب

تاريخ النشر: الثلاثاء 20 يونيو 2017

في يوم رأس السنة من عام 1907 قيل إن الرئيس الأميركي تيودور روزفلت سجل رقماً قياسياً عالمياً في عدد الأيادي التي صافحها، قدّرها كاتب سيرته (إدمند موريس) بثمانية آلاف ومائة وخمسين يداً. واعتبر «موريس» أن الرئيس روزفلت وضع بذلك المثال الذي يتوقع من القادة الكبار أن يتبعوه، لكن العديد من الرؤساء الذين خلفوه في البيت الأبيض أظهروا لمسةً إنسانية جعلتهم أكثر شهرة منه. ومن هؤلاء رئيسان قال عنهما (لانس مورو) الكاتبُ في أسبوعية (تايم) الأميركية:(فلننظر إلى بيل كلنتون يمرُّ أمام حشد من مؤيديه، وبما يشبهُ الجوع- أو قُل الجشع- يُرسل يديه في عمق الحائط البشري، وتسعى أصابعه الملتوية بشكل لافت وطريف إلى ملامسة أيدي مُريديه ومستقبليه علّها تبعثُ إليهم بصدق مشاعره نحوهم. صورةٌ ترتبط في مخيلتي برسم ميكال أنجلو لآدم على سقف كاتدرائية «سستينا» في الفاتيكان. أما «لندون جونسون» - يقول مورو - فلا يقل اندفاعاً إلى شدِّ يديه الاثنتين على أيدي المريدين مخترقاً بحرهم البشري ممسكاً بأيديهم، مربتاً على أكتافهم، غارقاً في هذا الحشد من «الديمقراطيين» بشهية مذهلة.. بل مخيفة). ليقف مرافقوه عاجزون عن عمل أي شيء يحول دون هذا التلاحم. هؤلاء الرؤساء الأميركيون الكبار، على الرغم من جوانبهم القيادية الغنية والمؤثرة في شعوبهم، ومشاعرهم العاطفية المؤجّجة، كانت عيونهم وهم يقومون بعملية التلاحم مع الجماهير، على التأييد الشعبي وسعياً وراء أصوات انتخابية. لكن كيف ستكون عملية التلاحم الجماهيري هذه، وماذا عسانا أن نقول عنها؟ حينما ننظر إلى حياة المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في هذا الجانب تحديداً (الذي كانت «شهيته» للقاء مواطنيه وأهله وعشيرته كشهية الأب إلى معانقة أبنائه) كما كتب (غريم ويلسون) في كتابه الأشهر (زايد.. رجل بنى أمه). وهو الإنسان الذي لم يخض غمار الخطاب الجماهيري طلباً لحاجة سوى محبته الصادقة لشعبه والتزامه بما يترتب عليه من التزام تجاههم في الحاضر والمستقبل. كانت سعادته تتجلى حينما يرى حشداً من الناس ينتظر مروره ليحييه، فيتوقف ويترجل من سيارته ليسلم عليهم ملامساً أياديهم، يبادلهم ببساطة دافئة مشاعر الحب والترحاب. كم كان يربك مرافقيه لخروجه على البرنامج اليومي. يقول الدكتور عزالدين إبراهيم رحمه الله (كم كان الشيخ زايد يحب هذه الناحية الشعبية الحُرة من عمله. كان يخرج على البرنامج المعدّ سلفاً وتوقيته الضيق ليقف مع الناس ويتحدث إليهم). أما إذا كان علينا معرفة عدد الأيدي التي لامست يد زايد، المهمة تكون أصعب مما يمكن تخيّله، فلو أخذنا عدد الأعوام التي تسلّم فيها رئاسة الدولة، وحتى ما قبلها، وعدد البلدان التي اخترق فيها محيط جماهيرها والتحم بها على نحو حميم ومذهل، لكانت النتيجة بالملايين نادراً ما يصل إليها زعيم على مستوى العالم. ترى لماذا كلما ادلهمّت الليالي (وصكّت الحلقة البطان) تذكّر المرءُ الرجال الكبار؟ رحم الله زايد في الخالدين.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا