• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م

سالم سالمين النعيمي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الغزو الناعم وصناعة الانطباعات

تاريخ النشر: الثلاثاء 20 يونيو 2017

الجميع يعرف مقولة «إن التاريخ يكتبه المنتصر»، لكن هل لهذه المقولة في وقتنا المعاصر مكانة أم أصبحت ضرباً من ضروب الخيال التي لا تمت للواقع بصلة، حيث يكتب التاريخ في القرن الحالي والقرن السابق السينما والمسلسلات التلفزيونية والأفلام الوثائقية المنتجة بأسلوب الحذف والنسخ ومراكز التفكير والدراسات لإيصال صورة معينة ترسخ في عقل ووجدان المتلقي كما هو الحال في الأفلام السينمائية التي تساهم بأسلوب غير مسبوق في التوجهات وصناعة الرأي العام وجعله ينحاز لوجهة نظر محددة ولا سميا من خلال تكرار بث الرسالة التي تشكل انطباعاً يرغب صنّاع السينما والتلفزيون والإعلام المرئي والمسموع والمقروء في إيصاله للمشاهد..أضف إلى ذلك إعلام التواصل الاجتماعي والأعلام التفاعلي الذي كسر حاجز المتلقي الصامت غير المتداخل مع الخبر والرسالة مع احتفاظ الجماهير بحقها في تقبل أو رفض أو تجاهل الخبر والمعلومة تماماً!

فصور الشعوب على وجه العموم تشكلت لدى المشاهد العالمي منذ سنوات طويلة بفضل وسائل الإعلام والسينما، وجاء زمن التواصل الاجتماعي ليكرّس بعض التصورات المسبقة، وينفي بعضها الآخر وكبرت دول صغرى من خلال سلاح الإعلام والتسويق المباشر في شتى مناحي الحياة، ودول بالمقابل تعد كبرى نال سلباً من تنامي سمعتها الضمور والظهور الإعلامي والفني والتسويقي المخجل.

وقد نجحت الأولى في دعم المخرجين والمنتجين والقنوات التلفزيونية ومراكز البحوث والمفكرين والروائيين وكبار الإعلاميين لإيصال رسائلها للعالم، بل التأثير المباشر على سياسات الدول العظمى والتداخل في توجيه الأصوات الانتخابية لممثل حزب دون الآخر، وذلك مما يبرز أهمية امتلاك الإمبراطوريات الإعلامية والفنية، وأهمية مواقع التواصل الاجتماعي لتحكم العالم باقتصادٍ وسياسةٍ وثقافةٍ وقيم.

فنجد على سبيل المثال وفق معظم الإحصائيات الإعلامية البحثية التي صدرت عام 2016 بأن 62٪ وما يزيد من سكان الولايات المتحدة الأميركية يحصلون على أخبارهم من وسائل الإعلام التي يكتبها ويحررها الجمهور والتي تمثلها مواقع التواصل الاجتماعي حيث تسمع جميع الأصوات ويتأثر من خلالها بصورة خاصة المراهقين أكثر من البالغين في رسم وجهات نظرهم حول ما يدور حول العالم، وقد يتناقشون حول الأفلام وما تحمله من رسائل سياسية أو اجتماعية في تجربة مشتركة للحديث عن القضايا مع نظرائهم في السن من جميع دول العالم، ويتبادلون الآراء حول حكوماتهم وسياساتها، وما تمثله لهم صور رجال الدين أو الشرطة والعدل، وما هي طموحاتهم، وكيف سيوصلون أصواتهم للمسؤولين في دولهم والمؤسسات الدولية، وما يفتقدونه في التعليم التقليدي ورؤيتهم لمستقبل العالم، وتلك الأصوات المهملة على وجه العموم في معظم دول العالم تصنع الفارق بين الدولة المؤثرة وصاحبة المبادرات والحراك إلى الأمام والدولة المستقبلة للتأثير والقائمة على ردود الأفعال والمشاريع ذات الطابع الدعائي دون مضمون يذكر له دور على الساحة المحلية والعالمية.

فتجد في دول العالم الثالث والدول المتطورة الزاحفة لمصاف دول العالم الأول هوساً بقضايا الرياضة والتراشق الإعلامي السياسي واللقطات والصور والشخصيات والتعليقات الظريفة والفكاهية والوجبات الغذائية والمطاعم والتسوق، حيث تشغل تلك المشاهدات نسبة كبيرة من أوقات المتصفحين خلال تصفحهم لمواقع التفاعل الاجتماعي، وتطبيقات الهاتف الذكي، وهي عوامل تساهم في التنشئة السياسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية والمعرفية للسكان، وتلعب دوراً في إثارة الرأي العام وفي الكثير من الأحيان رسم صورة معينة لموقف أو توجه ما أو تجميل صورة لا يوجد مجال لتجميلها عشوائياً، أو نقل انطباع خاطئ حول قضية ما، أو جعل العامة تنساق خلف الشائعات والفبركة المتعمدة لتحريك المياه الراكدة سلباً وبالمقابل وسائل المواجهة لا تكون بالقدر الكافي من الذكاء والانسيابية لتحويل الدفة نحو الاتجاه المرغوب لتجنب ما لا يحمد عقباه من نتائج، وفي المجتمعات التي لا تؤمن بالتخصص المهني الناشئ ووليد الحاجة والتجربة الميدانية والمهارات الإبداعية الخاصة، التي تواكب عالم متغير لا يتوقف ولا ينتظر أحداً.

فهناك حاجة ماسة لتسليم ملفات الغزو الناعم في عالمنا العربي لشخصيات مبدعة غير تقليدية غير محسوبة على دوائر الدعم القوية فقط، ويفسح لها المجال بعيداً عن التوصيات المخملية والشخصيات الكرتونية التي تملأ العالم بالضجيج والصخب دون عمل نوعي حقيقي خلف وأمام الكواليس له أثر يقاس ومردود مستدام وهو بيت القصيد في عالم قادم لا مكان فيه لغير المبدعين، والذين يجيدون حل المشاكل وإدارة التحديات بأسلوب فريق العمل لتولي الملفات الساخنة.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا