• الأحد 02 صفر 1439هـ - 22 أكتوبر 2017م

باسكال بونيفاس

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

ترامب واتفاق باريس للمناخ

تاريخ النشر: الثلاثاء 20 يونيو 2017

من خلال خطاب تم إخراجه بعناية والإعلان عنه مسبقاً من أجل إضفاء وقعٍ دراماتيكي على رهاناته، أعلن الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب عن اعتزام الولايات المتحدة الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، الذي يهدف إلى مكافحة الاحتباس الحراري.

الأمر يتعلق هنا بأحد وعود حملته الانتخابية، الذي ينفذه هنا من أجل التميز من جديد عن سلفه باراك أوباما، الذي كان أدخل الولايات المتحدة إلى هذا الاتفاق في ديسمبر 2015. وقتئذٍ، نُظر إلى التوقيع على هذا الاتفاق على أنه انتصار للمجتمع الدولي، الذي توحد حول الهدف نفسه، ألا وهو الحفاظ على بيئة الكوكب، ذلك أن كل البلدان الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة كانت قد وقعت على الاتفاق، في حدث نادر في الواقع، وذلك على الرغم من أن أوضاعها الاقتصادية والطاقية مختلفة جداً.

غير أنه من خلال إعلانه هذا، وقف دونالد ترامب على ميدان الاتصال السياسي أكثر من وقوفه في ميدان الفعل، سواء إزاء الرأي العام الأميركي أو إزاء بقية العالم، ذلك أنه من الناحية القانونية، لا بد من مهلة ثلاث سنوات على الأقل عندما يريد بلد من البلدان الانسحاب من اتفاق باريس. ونتيجة لذلك، فإنه لن يتم أي شيء في الحقيقة قبل نهاية ولايته الأولى. ومن جهة ثانية، لا بد من الإشارة هنا أيضاً إلى أن اتفاق باريس لا يشتمل على أي آلية عقاب، وبالتالي فإنه كان سيكون من البساطة أكثر لو أن ترامب اكتفى بالتوجيه بعدم احترام التزامات بلده في إطار اتفاق باريس للمناخ، من دون الذهاب إلى حد التخلي عن الاتفاق، ولكن هذا بالضبط ما لم يعجب ترامب الذي يفضل «الفرقعات»، ذلك أنه كان يريد مخاطبة ناخبيه في وقت يواجه فيه عرقلة القضاء بخصوص «حظر دخول المسلمين»، وعرقلة الكونجرس بخصوص تغيير قانون أوباما للرعاية للصحية، وبهذه الطريقة، يريد ترامب أن يُظهر لناخبيه أنه يحقق بعض النتائج، وهو يدرك أنه سيقسِّم الرأي العام الأميركي، الذي يؤيد جزءٌ كبيرٌ منه الاتفاق وصوَّت ضده في الانتخابات الرئاسية، وبالمقابل فإن ناخبيه مقتنعون بأن احترام بنود اتفاق باريس سيضر بتنافسية الاقتصاد الأميركي وسيتسبب في خسائر في الوظائف.

وعلاوة على ذلك، يريد الرئيس الأميركي أن يُظهر للرأي العام الدولي أن الولايات المتحدة لا تعترف وغير معنية بأي إكراه يأتيها من الخارج، فهي تقرر لوحدها من دون الالتفات لإكراهات المجتمع الدولي. إنها عودة السياسات أحادية الجانب! فترامب يبعث بالرسالة التالية: إن واشنطن تتحرر وتتخلص من القواعد الدولية.

بيد أنه لئن كان هذا القرار السياسي شيئاً جيداً ربما على المدى القصير بالنسبة لترامب، فإنه مضر أكثر على المدى الطويل، بالنسبة للولايات المتحدة وللعالم بأسره أيضاً، ذلك أن العهد الذي كان يُنظر فيه إلى احترام البيئة على أنه إكراه اقتصادي سلبي قد ولى: إذ يتعلق الأمر اليوم بالنسبة للكثيرين بقطاع المستقبل، قطاع قادر على تحقيق النمو الاقتصادي، وربما ليس من الصدف أن أغلبية الشركات الأميركية الدولية الكبرى أعلنت تأييدها لاتفاق باريس، ذلك أنها تخشى أن تتأخر عن منافساتها الأجنبية في هذا المجال.

وعلى الصعيد الدولي أيضاً، قد تكون عزلة الأميركيين مكلِّفة. ذلك أن العودة إلى العهد الذي كانت فيه شعبية بلدهم جد متدنية في عهد جورج دبليو. بوش يمكن أن تضر كثيراً بمصالحهم. وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة توجد اليوم وحيدةً بخصوص هذه المسألة إلى جانب نيكاراغوا وسوريا، اللتين لم تعودا ترغبان في احترام مقتضيات الاتفاق. ويا لها من رفقة!

وفي الأثناء، اغتنم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الفرصة ليلقي خطاباً – بالفرنسية والإنجليزية – استنكر فيه قرار دونالد ترامب ودعا المجتمع المدني الأميركي إلى المشاركة في الحفاظ على اتفاق باريس وتحويل شعار حملة الرئيس الأميركي بطريقة ذكية خاتماً كلامه بـ«اجعلوا كوكبنا عظيماً من جديد».

وبعد أن كان الصينيون الملوِّثين الرئيسيين لكوكبنا، فإنهم باتوا اليوم في طليعة جهود مكافحة الاحتباس المناخي وتطوير الطاقات المتجددة. ولا شك أن سياسة ترامب تسهّل تقارباً بين الصين وأوروبا.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا