• الأحد غرة شوال 1438هـ - 25 يونيو 2017م

ثابان: تجارب «ليسوتو» وشروط اقتصاد يعاني!

تاريخ النشر: الإثنين 19 يونيو 2017

في ليسوتو، إحدى أفقر دول القارة الأفريقية، أصبح «توماس ثابان» رئيساً للوزراء عقب تأديته اليمين الدستورية يوم الجمعة الماضي في استاد «سيتسوتو» في العاصمة ماسيرو، وذلك بعد يومين من إطلاق النار على زوجته السابقة في حادث لم تتضح ملابساته بعد. ووضع «ثابان» أولويات لحكومته المنتظرة، من بينها الحرب ضد «الإيدز» ومكافحة البطالة بين الشباب.

و«توماس ثابان» هو سياسي وزعيم لحزب «اتفاق جميع البسوتو» (ABC)، وسبق أن كان وزيراً للدفاع في حكومة بلاده ثم رئيساً لوزرائها بين عامي 2012 و2015، قبل أن ينضم إلى المعارضة ليقود حملة حلفائه للانتخابات النيابية الأسبوع الماضي، حيث فاز بالأغلبية وأعلن الملك تسميته مكلفاً بتشكيل الحكومة الجديدة للبسوتو.

ليسوتو، وتسميتها الرسمية «مملكة ليسوتو»، بلد داخلي صغير في جغرافيته (30 ألف كيلومتر مربع) وديمغرافيته (نحو مليوني نسمة)، محاط من كل الجهات بأراضي جنوب أفريقيا، كما يتداخل تاريخه عضوياً مع تاريخها، ففي مطلع القرن التاسع عشر، عرفت جنوب أفريقيا حرباً أهلية دامية أوشكت فيها القبائل على إبادة بعضها البعض، فهرب الكثير من ضحايا الصراع إلى مرتفعات ليسوتو، وهناك نالوا الحماية على يدي زعيم يدعى «موشوشو»، سرعان ما قام بتوحيدهم تحت مسمى «أمة البسوتو». وفي السنوات اللاحقة حاولت بريطانيا والبوير إخضاع البسوتو، لكنهما لم تفلحا في ذلك، بيد أن موشوشو عاد وطلب الحماية من إنجلترا، فقامت بتأسيس محمية «بسوتو لاند» وصار موشوشو وشعبه رعايا بريطانيين. وبعد وفاة موشوشو في عام 1870، وُضِعَت مقاطعة ليسوتو تحت حكم مستعمرة رأس الرجاء الصالح البريطانية (هي الآن جزء من جنوب أفريقيا)، وحاولت حكومة رأس الرجاء الصالح نزع سلاح البسوتويين، لكنها أخفقت. لذلك تمت إعادة تأسيس «بسوتو» في عام 1884 كمحمية بريطانية، لكن مع ضمانات بحمايتها من المستعمرات المجاورة الخاضعة للبيض.

وفي ظل الحماية البريطانية ولد «توماس موتسواهي» (توم ثابان) عام 1939 في «ماسير»، عاصمة مملكة ليسوتو، وحين كان في الخامسة والعشرين حصلت ليسوتو على الحكم الذاتي عام 1964، ثم أصبحت في عام 1966 «مملكة ليسوتو المستقلة»، وكان أحد الشباب الناشطين في «حزب بسوتولاند الوطني» الذي فاز في أول انتخابات نيابية عقدت في ظل الاستقلال، والذي أصبح زعيمه جوناثان ليبوا رئيساً للحكومة، بينما أصبح حفيد موشوشو ملكاً للبلاد، ثم فاز الحزب نفسه بالأغلبية مجدداً في انتخابات عام 1970، لكن سرعان ما قام زعيمه جوناثان بتعليق الدستور والانتخابات وظل يحكم ليسوتو كرئيس للوزراء. وفي عام 1986 أطاح به الضباط العسكريون وأصبح اللواء جستن ليخانا رئيساً للحكومة، ليقوم في عام 1991 بإقصاء موشوشو الثاني من الحكم وبتعيين ابنه ملكاً للبلاد بوصفه «ليتسي الثالث». وفي العام ذاته أطاح انقلاب عسكري برئيس الحكومة «ليخانا»، ليتم في عام 1993 تنظيم انتخابات برلمانية فاز بها «حزب مؤتمر بسوتو» وأصبح زعيمه «نتسو موخيل» رئيساً لحكومة جديدة ستقوم بتجريد الملك من سلطاته وجعل دوره شرفياً، لكن الملك «ليتسي الثالث» حل البرلمان في عام 1994 واستبدله بمجلس مؤقت، بيد أن المجلس الجديد أعاد موشوشو ملكاً للبلاد، لكن الملك توفي في عام 1996، فعاد «ليتسي الثالث» ملكاً من جديد. وفي تلك السنوات تعرض حزبا «بسوتولاند الوطني» و«مؤتمر بسوتو» لتصدعات وانشقاقات قوية، فكان «ثابان» أحد المنشقين ممن كوّنوا حزباً جديداً أسموه «مؤتمر ليسوتو من أجل الديمقراطية» الذي حاز على نسبة 67% من الأصوات في انتخابات عام 1997. وهي النتيجة التي احتجت عليها أحزاب المعارضة متهمةً الحزب الحاكم بتزويرها لصالح حزب صغير خارجٍ من عباءته، فأرسلت جنوب أفريقيا وبتسوانا قواتهما لدعم الحكومة الشرعية في ليسوتو. وبعد معارك دامية بين الطرفين تم الاتفاق على تنظيم انتخابات جديدة خلال 18 شهراً، وهي الانتخابات التي سيفوز بها «مؤتمر ليسوتو من أجل الديمقراطية» بنسبة 55% من الأصوات، وكان ثابان أحد ممثليه في البرلمان الجديد، ثم أصبح وزيراً في حكومة رئيس الوزراء باكاليثا موسيسيلي عام 1998، لكنه غادر الحزب في عام 2006 وأسس حزباً جديداً باسم «اتفاق جميع البسوتو» (ABC)، ليصبح أحد أكبر خمسة أحزاب معارضة ممثلة في البرلمان. وقد مهد ظهور «اتفاق جميع البسوتو» لتغيير سياسي كبير في ليسوتو، إذ فاز الحزب الجديد بالعدد الأكبر من الدوائر والأصوات في المناطق الحضرية بعد بضعة أشهر فقط على تشكيله.

وبعد نحو خمسة أعوام أمضاها في صفوف المعارضة، قام «ثابان» بتأسيس تحالف يضم 12 حزباً لخوض الانتخابات البرلمانية في مايو 2012، ففاز تحالفه وتم تعيينه رئيساً للوزراء. أما في الانتخابات النيابية لعام 2015، فقد حصل حزبه على أكبر عدد من الأصوات، لكنه لم يفز بالعدد الأكبر من مقاعد الدوائر الانتخابية، لذلك أفسح المجال لسلفه ومنافسه «باكاليثا موسيسيلي» ليترأس الحكومة الجديدة. وبعد شهرين على تلك الانتخابات، أعلن ثابان أنه واثنين آخرين من قادة المعارضة باتوا يشعرون بأن حياتهم مهددة، وأنهم مضطرون لمغادرة ليسوتو للعيش مؤقتاً في جنوب أفريقيا. ولم يعودوا من هناك إلا في فبراير الماضي، وذلك للمشاركة في تصويت برلماني على الثقة في الحكومة يوم الأول من مارس الماضي، حيث صوتوا مع الأغلبية البرلمانية ضد حكومة موسيسيلي. وعلى ضوء نتيجة التصويت، تمّ حل البرلمان وأجريت انتخابات عامة مبكرة في الثالث من يونيو الجاري، فاز فيها «حزب اتفاق جميع البسوتو» بـ48 من أصل 120 مقعداً في الجمعية الوطنية بالبرلمان، فيما فاز حلفاؤها بـ21 مقعداً. لذلك اختاره الملك «ليتسي الثالث»، يوم الأربعاء الماضي، ليكون رئيساً جديداً للوزراء في حكومة ائتلافية تضم أربعة أحزاب سياسية.

والآن يتعين على ثابان الوفاء بتعهداته للناخبين، إذ وعد بالقضاء على مرض «نقص المناعة المكتسب» (الإيدز) المنتشر في البلاد، وبمحاربة الفقر الذي يضع تحته نحو 40% من السكان، وبتقليل البطالة التي تقدر نسبتها بنحو 25% من قوة العمل.. فضلاً عن تعهدات أخرى في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. وأياً تكن القرارات أو السياسات التي يتبناها ثابان لتحقيق تعهداته، فإنها ستكون محكومة بشروط وظروف اقتصاد يعاني من محدودية الموارد ومن عجوزات في الموازين المالية والتجارية.

لقد مثّل انتخاب ثابان وتسلمه مقاليد الحكم، مثالاً آخر على ترسخ آلية الانتقال السلس للسلطة في ليسوتو، لكن الرجل الثماني الذي عركه العمل السياسي طويلاً، وقد أصيب بيته مؤخراً بمقتل زوجته في عملية إطلاق نار غامض تعرضت له في ماسيرو، مطالب بأكبر قدر من حكمة الكبار والساسة المحنكين لتدبير شؤون بلد داخلي صغير ومحدود الإمكانات، يجر وراءه تاريخاً من الاضطرابات والتجارب المرة.

محمد ولد المنى

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا