• الأربعاء 27 شعبان 1438هـ - 24 مايو 2017م

إميل أمين

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

المستقبل الملغوم.. ثمن الحداثة

تاريخ النشر: السبت 20 مايو 2017

هل تجعل الحداثة المستقبل غائماً ضبابياً وملغوماً بالفعل؟ عدد وافر من المشاهد يشير إلى ما نقوله، وقد كان آخرها الهجومات الإلكترونية التي تعرض لها العالم الأيام القليلة المنصرمة من قراصنة غير معروفين.

بداية لابد من الاعتراف بأن زمن «1984» للكاتب والروائي البريطاني «جورج أورويل» قد حل بنا بالفعل، بعد أن سقطت جدارات الخصوصية، في زمن التجسس والتنصت البشري والإلكتروني، فأصبحت الحريات الشخصية مستباحة، وما يقال همساً في المخادع أصبح ينادي به من على السطوح.

بل أكثر من ذلك؛ إذ أصبحت أدوات التجسس وكشف أسرار الآخرين وسيلة للتأثير على الرأي العام، وعملية صناعة القرار لدى الدول المنافسة على القطبية العالمية، بمعنى أن «أدوات الحداثة»، صارت عينها أسلحة الحرب الحديثة، وخير دليل على صحة ما نقول به، أزمة اختراق البريد الإلكتروني للمرشحة «الديمقراطية» للرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون، وما يُشاع من أنها نتيجة مباشرة لعملية قرصنة إلكترونية سرية من قبل روسيا الاتحادية، انتقاماً منها على أدوار سيئة سابقة تجاه بوتين، وإتاحة الفرصة لفوز دونالد ترامب، وهو ما قد جرت به الأقدار لاحقاً بالفعل.

الذين قدر لهم زيارة المكسيك، يعرفون ما يسمى بـ «بوابة الشمس»، ذلك الحجر الأثري الهائل، الذي يعود إلى ما قبل ستة آلاف عام، والمثير جداً في الأمر ما هو منقوش عليه، ويتمثل في مشهد لإنسان عاش في تلك الفترة يرتدي نفس ملابس إنساننا العصري، ويضع نظارة طبية على عينيه، ويحذر الأجيال القادمة من اللعب بالنار، والتي كانت سبباً في دمار حضارات بشرية سابقة، ومنها حضارتا المايا والأزتيك. هل التاريخ يعيد نفسه ؟

الشاهد أنه إذا خلينا جانباً أحاديث الحروب النووية، فإن أحاديث القراصنة الإلكترونيين حول العالم، تكاد تكون نسخة من قصة الأمس، فالسحر عادة ما ينقلب على الساحر، وما جرى قبل أيام يشاع أنه بسبب اختراق القراصنة لوثائق سرية خاصة بوكالة الأمن القومي الأميركي، ومن ثم استخدامها في التلاعب بأجهزة الكمبيوتر حول العالم، وابتزاز أصحابها، ولهذا أطلق عليها «قرصنة الفدية».

الوكالة المشار إليها تختص بالتنصت على الاتصالات الهاتفية، والإنترنت، والفاكسات، مروراً بالرسائل القصيرة، وكل وسائط التواصل الاجتماعي ويرمز لها بالحروف الثلاثة NSA، ومن الإغراق في طبيعة عملها السرية يتندر عليها البعض بالقول إن الأحرف الثلاثة المتقدمة وعوضاً عن أن تكون مرادفاً لـ National Security Agency فإنها No such Agency وكأنها بالفعل وكالة غير موجودة بالمرة.

ماذا لو اخترق القراصنة ما هو أكثر خطورة، بمعنى الوصول إلى مفاتيح الشفرات النووية في أي دولة كبرى؟ هل سيتحول العالم كله إلى كرة لهب مشتعلة، وهو السيناريو الذي قدمته لنا هوليوود في أكثر من فيلم ؟

يبدو أن هذا السيناريو يزعج الأميركيين بالفعل، ولهذا السبب شهدت واشنطن في نهاية أبريل الماضي مناورات سيبرانية، أعلنت عنها وزارة الدفاع الأميركية تحت عنوان «تحدي قرصنة القوات الجوية».

الفكرة ببساطة هي أن اختصاصي الأمن السيبراني في أميركا قد سمحوا لكل الكفاءات السيبرانية من بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا بالدخول في هذه المناورات من أجل كشف الثغرات التي يمكن أن تؤدي لاختراقات كارثية في سلاح الجو الأميركي، والمدهش هنا أن واشنطن رفضت دخول القراصنة الروس، وهذا مرده الخوف الكبير منهم وقدرتهم الفعلية على اختراق الشبكات الأميركية.

أيمكن للولايات المتحدة أن تكون في مقدمة الدول التي يمكن أن تصيبها أهوال المستقبل الملغوم تكنولوجياً؟

نعم وهذا ما حدث في شهر ديسمبر الماضي عندما عثر مسؤولون أميركيون على برمجيات خبيثة، يستخدم فيها الكود المنسوب «للهاكرز الروس» في المنظومة الإلكترونية لإحدى شبكات الطاقة الكهربائية بولاية فيرمونت الأميركية، والسؤال ماذا لو تم تعطيل الشبكة الكهربائية في الولاية، وماذا عن الخسائر البشرية والمادية التي كان يمكن أن تحيق بها؟

ثمن الحداثة لم يعد اليوم يتوقف على الأعداء فقط، بل إن الأصدقاء الغاضبين والمواطنين الرافضين لحكم الأوليجاركيات قد يضحون أكثر خطراً، وهذا ما رأيناه ولا نزال عند «إدوارد سنودن» عميل الـ NSA السابق والرجل الذي أتاح عشرات الآلاف من الوثائق السرية الأميركية التي حصل عليها من خلال برنامج «بريسم» للصحافة، ومن قبله ظهر «جوليان أسانج» وفضاح ويكليكس ووثائقه التي وفرها له عملاء من الداخل الأميركي.

ثمن الحداثة يكاد يقترب من العقل البشري ليحدث به أكبر كارثة في تاريخ «الحداثة الجوفاء»، هل أتاك حديث خطة «إيلون ماسك» المذهلة لربط الدماغ البشرى بالحواسيب الآلية؟

القصة كما ذكرتها صحيفة «وول سترتب جورنال»، عبارة عن سعي مؤسس شركة «تسلا» للتكنولوجيا في أميركا وعبر شركة جديدة يطلق عليها (Neuralink) لزرع أقطاب في الدماغ الإنساني حتى يتمكن الناس من تحميل أو تنزيل أفكاره إلى أو من جهاز كمبيوتر... كارثة «الذكاء الصناعي» تكاد تتحول إلى واقع حال، لتصحو الخليقة ذات نهار على نهاية عصر البشر وبداية عالم آخر من الروبوتات.

آخر الأخبار تقول إن البنتاجون تبلور الآن خططها لحرب النجوم، وأغلب الظن أن حروب الحداثة على الأرض ستستبق حرب الكواكب، أي مستقبل مظلم ينتظر البشرية؟

*كاتب مصري

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا