• الجمعة 26 ذي القعدة 1438هـ - 18 أغسطس 2017م

د. حسن حنفي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الحدود بين الوهم والحقيقة

تاريخ النشر: السبت 20 مايو 2017

قد يتنازع السياسيون على الأيديولوجيات، وحدوية عربية كانت أم قُطرية. والخطورة هي تحول اختلاف الأيديولوجيات إلى صراع سياسي فيما بينها. فما الحل؟ يكمن الحل في تصحيح العلاقة بين الجغرافيا والسياسة، أيهما أساس وأيهما فرع. هل تتأسس الجغرافيا على السياسة، أم تتأسس السياسة على الجغرافيا؟ تأسيس الجغرافيا على السياسة فيه نظرة سلبية تقوم على توحيد الشعوب، بصرف النظر عن واقعها الجغرافي. وتأسيس السياسة على الجغرافيا فيه رؤية وحدوية تقوم على الواقع الطبيعي بحدوده الجغرافية الطبيعية.

والموقع الجغرافي الذي نشأت فيه الدول العربية أرض شاسعة ممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي. فهي منطقة متسعة مفتوحة بطبيعتها غير قابلة للتقسيم، ويصعب تقسيمها إلى قطع متلاصقة. عاشت فوقها الإمبراطوريات القديمة، وورثها الفتح الإسلامي بسرعة غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً في بقاع ممتدة.

واستمر الأمر كذلك لدى الأمويين ثم العباسيين. ولما ضعفت مركزية بغداد استقلت الأطراف أو كادت. ونظراً لقدرة مصر على تمثل الغريب فقد أصبح الجميع مصريين.

ولما جاءت فترة «الرجل المريض» وبدأت الإمبراطورية العثمانية في التقهقر بعد أن كانت على أبواب فيينا، وبدأ تقسيم ممتلكاتها ومن بينها الوطن العربي بين القوى الغربية الكبرى، أكدت اتفاقية سايكس- بيكو هذا التقسيم، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبح الوطن العربي كله، تقريباً، مقسماً تحت سيطرة الدول الغربية، وفق خرائط تبدو أحياناً وكأنها بقلم ومسطرة من رسام ماهر.

وجاءت حركات التحرر الوطني لهذه الدول مطالبة بالحرية والاستقلال، وخُدع العرب بعد أن وُعدوا بالاستقلال إن هم ساعدوا الحلفاء ضد الأتراك العثمانيين. ولما انتصر الحلفاء استعمروا من وعدوهم بالاستقلال بالأمس. وبدأ العرب في النضال ضد الحلفاء من أجل الحرية والاستقلال طيلة عقود مديدة تالية.

وبعد أن نالت الدول الوطنية استقلالها أقامت نظمها على نسق الدولة الوطنية في الغرب في القرن التاسع عشر، وحدة اللغة والعرق، وقبول الحدود المصطنعة التي ورثتها عن الدولة الغالبة في الحربين العالميتين الأولى والثانية. ولما بدأ تعثر الدولة المتحررة حديثاً وتحولها من دولة وطنية إلى دولة مستبدة في بعض الحالات ثارت الشعوب ضدها، لأنها ليست هي الدول التي ضحت من أجلها. وبدأ ما سمي «الربيع العربي» بزعم كونه ثورات الشعوب أو تحقيق أهداف الثورة القومية!

أما على الأرض فلا تكاد توجد دولتان جارتان إلا بينهما خلاف على الحدود. فعاشت بعض الدول العربية في نزاعات حدود بينها. وخلقت خلافات بينها. وهي منطقة واحدة لم يعرف العربي القديم فيها حدوداً، بل كان يرى أمامه الأفق دائماً.

ولذلك عادى الغرب كل حركة وحدوية قومية قد تلغي الحدود بين الأقطار العربية، ويسمي الغرب هذه الدول العالم العربي وليس الوطن العربي. وعادى الاستعمار أيضاً أكثر من تجربة وحدوية مثل تجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا 1958-1961، وبين مصر وسوريا والعراق، ومصر وسوريا وليبيا، حتى لو كانت وحدة على الورق وليس لها أي أثر فعلي.

وبعد أن توقف المد الوحدوي بدأ التخطيط لتفتيت المنطقة بداية بالعراق إلى دول طائفية، عرقية. وشق السودان قسمين، شمالاً وجنوباً، ثم تفتيت الجنوب بين القبائل، والسعي لزعزعة وحدة شعب مصر الراسخة بين مسلمين وأقباط، ومحاولة تفتيت وحدة شعوب المغرب العربي كله بين عرب وأمازيغ، وتفتيت لبنان إلى طوائف، والشام كله إلى طوائف وأعراق! فتكون إسرائيل بذلك هي أقوى دولة طائفية عرقية في المنطقة. تجمع يهود الشتات فيها، في حين أن الوطن العربي يكون طارداً لسكانه بحثاً عن الرزق أو الحرية. ولا تحتاج إسرائيل في الدفاع عن نفسها إلى جيوش تحارب بها حرباً برية فقد أصبحت الحروب الآن بالصواريخ بعيدة المدى، والطائرات دون طيار، وحروباً نووية، بضربة واحدة تقضي على العدو.

والحدود الأرضية مع التقدم التقني الهائل باتت كحدود وهمية، لا وجود لها. تعبرها الأسلحة الحديثة اليوم عابرة للقارات وليست فقط عابرة للحدود الأرضية، كما هو الحال في الحرب التقليدية.

------------------

* أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 
 
الأكثر قراءة