• الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ - 17 ديسمبر 2017م

جيفري كمب

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الـ«إف بي آي» والروس!

تاريخ النشر: الجمعة 19 مايو 2017

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاجئ في التاسع من مايو الجاري بإقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (الـ«إف بي آي»)، جيمس كومي، أثار عاصفة سياسية في واشنطن، ويُعتبر أول نازلة دستورية تواجهها الإدارة الفتية. أحد الأسباب له علاقة بالظروف التي أدت إلى إعفاء كومي. ذلك أن هذا الأخير كان في لوس أنجلوس يلقي كلمة على ضباط الـ«إف بي آي» عندما ظهر على شاشة التلفزيون خبر عاجل يفيد بإقالته من منصبه. واعتقد الجميع وقتئذ أن الخبر مجرد دعابة. لكنه لم يكن كذلك. ذلك أن ترامب كان قد بعث يدوياً برسالة إلى مقر الـ«إف بي آي» في واشنطن يطالب فيها كومي بالاستقالة، ولم يبذل أي جهد لمهاتفته أو الاتصال به على أي نحو آخر. على أن تسليم الرسالة يدوياً من قبل كيث شيلر، حارس ترامب الشخصي ومحل ثقته، أضفى نبرة دراماتيكية على القضية.

السبب الذي قدمه مساعدو ترامب في البداية لتعليل هذه الإقالة كان بيانات لوزارة العدل تفيد بأن كومي أساء تدبير التحقيق في استخدام هيلاري كلينتون لخادم خاص للبريد الإلكتروني عندما كانت وزيرة للخارجية. لكن لا أحد صدق هذه القصة، وذلك على اعتبار أن ترامب نفسه كان قد أشاد خلال الحملة الانتخابية بطريقة تعاطي كومي مع موضوع بريد كلينتون الإلكتروني، لاسيما تدخل كومي في اللحظات الأخيرة، على بعد أيام قليلة فقط من يوم الاقتراع، ليقول إن معلومات جديدة حول أعمال كلينتون قد طفت على السطح ولابد من إعادة فتح القضية، وهو ما أثار حينها موجة استنكار كبيرة في صفوف الحزب الديمقراطي، ومازال يُعتقد أنه أحد الأسباب التي ساهمت في خسارة كلينتون في الانتخابات.

والواقع أن ترامب كشف عن السبب الحقيقي للإقالة؛ ففي مقابلة على قناة «إن بي سي نيوز»، في الحادي عشر من مايو الجاري، أشار إلى أنه يخطط لتنحية كومي منذ بعض الوقت، وأن أحد أسباب ذلك هو تحقيق الـ«إف بي آي» المتواصل في تدخل روسيا المفترض في الانتخابات الأميركية، وحول التواطؤ الممكن بين فريق ترامب والروس في هذا الموضوع.

وعلى الرغم من أن الـ«إف بي آي» يخضع لوصاية وزارة العدل قانونياً، فإنه تاريخياً كان يُمنح نوعاً من الاستقلالية بخصوص جزء كبير من عمله، ومديره يعيَّن لعشر سنوات كحد أدنى إلا إذا أقيل من قبل الرئيس. وعلاوة على ذلك، فإن جهود ترامب للتدخل في التحقيق بشأن إمكانية تورط روسي في الانتخابات كانت سابقةً على الإقالة، وقد شملت حوارات مع كومي حول ما إن كان ترامب نفسه يخضع لتحقيقات الـ«إف بي آي».

بعض الديمقراطيين والعديد من الخبراء القانونيين طالبوا بأن تقوم وزارة العدل بتعيين مدعٍ خاص من أجل استكمال التحقيق بشأن إمكانية تدخل روسي في الانتخابات، وأن يكون الشخص المقبل الذي سيتم اختياره لترؤس الـ«إف بي آي» قانونياً مهنياً وليست له أي علاقة بالبيت الأبيض في عهد ترامب أو بحملة ترامب الانتخابية. ولا شك أنه إلى أن يتم حل هذه المشاكل، سيظل هذا الجدل أولوية بالنسبة لإدارةٍ تسجل تأخراً لافتاً في تنفيذ أجندتها التشريعية والدولية.

وقد أحاط الرئيس نفسه بمساعدين غير مستعدين أو غير قادرين على تنبيهه إلى حقول الألغام السياسية التي تنطوي عليها الممارسة اليومية للسياسة في واشنطن. بل إنه حتى مستشاريه في الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية يبدو أنهم غير قادرين على إعطاء نصائح بتفادي بعض المواقف والقرارات. ففي الخامس عشر من مايو، مثلاً، زعمت بعض التقارير أنه خلال اللقاء الذي جمع ترامب في المكتب البيضاوي مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف والسفير الروسي إلى الولايات المتحدة سيرجي كيسلياك، قبل خمسة أيام، تطرق ترامب إلى معلومات استخباراتية جديدة في حوزته بخصوص مخططات لتنظيم «داعش» ضد طائرات مدنية. والحال أنه بالنسبة للكثيرين في وكالات الاستخبارات الأميركية، فإن الأمر يتعلق بتطور خطير جداً، وقد يعرِّض للخطر وكالة استخبارات أجنبية وفّرت المعلومات لترامب.

غير أنه ما زال من المبكر الحديث عن جهود ضد مركز ترامب. إذ حتى يحدث ذلك، سيتعين على عدد من الجمهوريين البارزين أن يكونوا مستعدين لمواجهة رئيس لا يزال يحظى بشعبية بين قاعدته الانتخابية. غير أنه إذا استمرت الأمور في مسارها الحالي، فإن الدعم الذي يتمتع به داخل الكونجرس يمكن أن يبدأ بالتآكل والتقلص، وسيصبح من السهل على الجمهوريين الذين لم يحبوا ترامب أبداً أن يشرعوا في بحث إمكانية اتخاذ إجراءات لاحتواء رئاسته. ولا شك أن كون هذا الحديث قد أضحى جزءاً من الخطاب اليومي في واشنطن، بعيد وقت قصير على تنصيب ترامب، هو مؤشر على حجم المتاعب الحالية!

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا