• الأربعاء 29 رجب 1438هـ - 26 أبريل 2017م
  11:43    وزير الخارجية الصومالي يشكر الامارات على دعمها لبلاده عبر حملة "لأجلك يا صومال"        11:43    الصين تطلق حاملة طائرات ثانية تابعة لها        11:44     قاض أميركي يوقف مرسوما لترامب يتعلق بـ"المدن الملاذات"     

خطر «الفريكسيت».. بعد «البريكسيت»؟!

تاريخ النشر: الجمعة 21 أبريل 2017

في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية الراهنة تصدّرت معظم المناظرات والسجالات والجدالات بين المتنافسين مشاكل المشروع الأوروبي المزمنة، وخاصة منها ما يتعلق تحديداً بالمأزق النقدي المرتبط بالعملة الموحدة «اليورو»، وهو تعِد الأغلبية الساحقة من المرشحين باتخاذ مواقف سلبية تجاهه، إلى حد التعهد بالخروج من الوحدة النقدية من الأساس عند بعض المرشحين ذوي المواقف الشعبوية الحدّية على اليمين واليسار المتطرفين. وتزامناً مع هذه الحملة الانتخابية، والحملة الموازية الموجهة ضد اليورو والاتحاد الأوروبي، أتى كتاب المؤلفين الفرنسيين باتريك آرتوس وماري- بول فيرار: «اليورو.. الخروج من هنا؟»، في وقته تماماً، لكشف خلفيات وأبعاد مشكلات اليورو، وأيضاً لاستشراف حلول ومقاربات أخرى ممكنة لعلاج هذه المشكلات، بدلاً من التفكير في الخروج الفرنسي من منطقة اليورو، أو من الاتحاد الأوروبي، وذلك بالنظر إلى أهمية فرنسا، إلى جانب ألمانيا، باعتبارهما البلدين الأكبر والضامنين الأساسيين لإمكانية استمرار المشروع الأوروبي، من حيث هو حلم وفكرة طالما راودت مخيلات أبناء القارة لأجيال، بل لقرون. ولعل مما يزيد من قيمة هذا الكتاب أن مؤلفيه ينطلقان من معرفة واسعة بتفاصيل وحيثيات انطلاق العملة الأوروبية الموحدة، كما تتبعا أيضاً عن قرب طريقة التعامل مع التحديات التي واجهتها خلال السنوات الماضية، وباتريك آرتوس أكاديمي اقتصادي وأستاذ بجامعة باريس الأولى، البانتيون- السوربون، وماري- بول فيرار صحفية اقتصادية.

وينطلق الكاتبان ابتداءً في عملهما الواقع في 176 صفحة من تتبع خلفيات إطلاق العملة الأوروبية الموحدة، مبرزين في هذا الصدد أنها كانت خطوة ضرورية وحيوية فعلاً لتتويج جهود التكامل الاتحادي بين دول القارة، وطريقة لجعل اقتصاداتها أكثر تناغماً وانسجاماً، وأيضاً لدلالتها الرمزية حتى في أذهان المواطنين الأوروبيين العاديين لجهة تحفيز وتعزيز روح الانتماء الأوروبي الواحد لديهم. وكل هذا يحمل في حد ذاته رداً على الأصوات الكثيرة المندفعة المرتفعة الآن في الحملة الرئاسية الفرنسية، حيث يتساءل كثيرون بنبرة لا تخلو من شعبوية: ألم يكن إنشاء اليورو أصلاً خطأ كارثياً ألقى بظلاله الثقيلة على اقتصاد فرنسا وغيرها من الدول ذات الاقتصادات القوية في الاتحاد، إذ جعلها تدفع ثمن الترابط النقدي الميكانيكي مع بعض الاقتصادات الفاشلة والمتعثرة والصغيرة وغير القادرة على المنافسة؟ وألا يبدو الحل الأمثل اليوم، يقول هؤلاء، هو الخروج من هذه الكارثة النقدية والورطة الاقتصادية، في أسرع وقت ممكن من أجل مصلحة فرنسا والفرنسيين؟ وهذا النوع من الأسئلة ينذر بتنامي حالة التوجس من ظهور أعراض خروج فرنسي «فريكسيت» لا تمتلك أوروبا حتى ترف التفكير فيه الآن، وهي ما زالت واقعة تحت صدمة الخروج البريطاني الـ«بريكسيت»! وأخطر من هذا كله أن ذات النبرة الناقمة على اليورو والاتحاد بدأت تتردد الآن أيضاً في روما، وربما في عواصم أوروبية أخرى من الدول المصنفة تقليدياً دولاً أساسية في المشروع الاتحادي منذ البداية.

ويرى الكاتبان أن ما زاد من مآزق العملة النقدية أن الساسة الأوروبيين حين أطلقوها لم يفكروا أصلاً في بعض أساسيات الدروس الاقتصادية، مثل التحسب للتفاوت في سرعة النمو بين اقتصادات الاتحاد، حيث ظلت تسير بسرعتين متفاوتتين. كما أن دول شمال القارة القوية اقتصادياً أكثر تحملاً للصدمات الاقتصادية الناجمة عن انفتاح الأسواق وتوحيد العملة مقارنة مع دول الجنوب المتوسطية، المتعثرة، وذات الديون السيادية الكبيرة، في بعض الحالات. كما أدى توحيد العملة أيضاً إلى فقدان كثير من الدول الأوروبية تخصصيتها الصناعية في مجالات معينة لانفتاح الحدود على كافة صور الإغراق والمنافسة، وبطريقة قد تخرج أحياناً، علناً أو ضمناً، عن قواعد اللعبة. وفوق هذا وذاك عانى الاتحاد أيضاً من انفصال مزمن بين النخب السياسية الحاكمة وبين هموم المواطن الأوروبي العادي، الذي يكابد بشكل مباشر تداعيات أية أزمة نقدية أو اقتصادية، لتتحول مع مرور الوقت إلى أزمة اجتماعية، ومن ثم سياسية مهددة لشعبية دعم المشروع الأوروبي، الذي كان يفترض أن يكون مشروع شعوب أصلاً. هذا فضلاً عن انفصال البيروقراطية الاتحادية في بروكسل أيضاً عن كثير من تطلعات الحكومات الوطنية من جهة، وعن المواطن الأوروبي العادي من جهة أخرى، حيث تراكِم التشريعات الكثيرة دون أن تضع في الاعتبار هموم ومشاكل الإنسان الأوروبي البسيط، وبالتالي جعلت شعبية المشروع الأوروبي كله تتناقص وتتآكل، إلى حد دفع الأغلبية الشعبية في دولة أساسية هي المملكة المتحدة لتفضيل الانسحاب من الاتحاد، وجعلت فرنسا، الدولة المحور الأبرز مع ألمانيا، تصل هي أيضاً إلى حال يصبح فيه ثمانية من مرشحي رئاستها الأحد عشر مؤيدين لصك باب منطقة اليورو خلفهم، والخروج من الوحدة النقدية، بل وصل الأمر ببعضهم حتى للدعوة للخروج من الاتحاد كله، وطي صفحته مرة واحدة، وإلى الأبد.

حسن ولد المختار

الكتاب: اليورو.. الخروج من هنا؟

المؤلفان: باتريك آرتوس وماري- بول فيرار

الناشر: فايار

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا