• الخميس 05 شوال 1438هـ - 29 يونيو 2017م

آسيا.. وتاريخ التمحور الأميركي

تاريخ النشر: الجمعة 21 أبريل 2017

لقد تطلب الأمر «أكثر من مجرد الاهتمام»، لكي تصبح الولايات المتحدة الأميركية، خلال القرنين الماضيين، قوة بارزة في منطقة آسيا والدول المطلة على المحيط الهادئ. وقد دفعت التجارة والعقيدة ومبادئ الدفاع الأميركيين غرباً، ليس فقط في أنحاء القارة، ولكن أيضاً على اتساع المحيط، مثلما يشير «مايكل جرين»، الذي عمل مساعداً خاصاً للرئيس جورج بوش الابن، ومديراً متخصصاً في الشؤون الآسيوية، ضمن فريق «مجلس الأمن القومي».

ويوضح «جرين» في كتابه الجديد: «أكثر من مجرد اهتمام.. الاستراتيجية الكبرى والقوة الأميركية في منطقة آسيا والدول المطلة على المحيط الهادئ منذ 1983»، أن «بزوغ القوة الأميركية المعاصرة في تلك المنطقة لم يكن نتاجاً عرضياً للانتصار في الحرب العالمية الثانية، مثلما يشير كثير من المؤرخين المتعجلين».

ويضيف في كتابه، الذي يعتبر دراسة مهمة وشاملة للعلاقات الأميركية مع دول آسيا والدول المطلة على «الهادئ» مستطرداً: «للأمر جذور فكرية ترجع إلى خروج مجموعة من الأميركيين، الذين حملوا معهم أعشاب (الجينسينج) والرؤى الإمبراطورية إلى الدول المطلة على المحيط الهادئ في الشرق الأقصى».

ومع إبحارهم وسط أمواج المحيط العاتية، سيطر الأميركيون على نقاط جغرافية مثل «جزر ساندويتش»، التي تعرف في الوقت الراهن باسم «هاواي»، و«ساموا» و«جوام». وكانت جائزة الحرب مع إسبانيا في نهاية القرن التاسع عشر هي الفلبين. وفي هذه الأثناء، أضحت آسيا جارة لأميركا، مثلما أعلن «روبرت ووكر»، وزير خزانة الرئيس الأميركي الحادي عشر «جيمس بوك».

ونوّه المؤلف إلى أن المصالح الخاصة هي تلك التي وجهت الأميركيين في المنطقة لتبني أساليب وسياسيات متسقة بشكل عام، على رغم التخبط والتراجع في بعض الأحيان. وفي هذا السياق أفاد «جرين» بأن واشنطن أضحت قوة توازن بحرية، متبنية وجهة النظر بأن الولايات المتحدة تتعين عليها الحيلولة دون هيمنة أية قوة واحدة على الأراضي الآسيوية والمياه القريبة منها. وكان الهدف هو جعل المحيط الهادئ «قناة لتدفق الأفكار والبضائع الأميركية غرباً، ومنع تدفق التهديدات شرقاً تجاه الولايات المتحدة»، نفسها بحسب «جرين».

وبناء على ذلك، أضحت حماية المحيط الهادئ محور اهتمام كبير. وربما اختلف الرؤساء والدبلوماسيون والجنرالات والمحللون الأميركيون في النهاية على تفاصيل وطرق تحقيق الاستراتيجية، بيد أن الاختلافات الأكبر كانت في كثير من الأحيان حول المدى الذي ينبغي رسم خط الدفاع الأميركي عنده. ومثلما أشار الكاتب السياسي الأميركي «والتر ليبمان»، الولايات المتحدة لم تكن أبداً انعزالية في طريقة تعاطيها مع منطقة الدول المطلة على المحيط الهادئ.

وبمرور الوقت، أضحت الجهود الأميركية جديرة بالاهتمام بدرجة أكبر لأن الأنظمة الديمقراطية، بطبيعتها، غير مؤهلة للإبقاء على سياسات خارجية مستمرة، وهو أمر لاحظه المؤرخ السياسي الفرنسي «أليكسيس دو توكفيل» في كتابه: «الديمقراطية في أميركا». ومثلما كتب «جرين»، وضع المؤسسون نظاماً مخصصاً لمنع مركزية اتخاذ القرارات على وجه التحديد، وفق تصور المؤرخ الإغريقي «توكيديديس»، وقدامى المفكرين الاستراتيجيين الآخرين. ولكنه أوضح أن «الولايات المتحدة تمكنت من الحفاظ على استمرارية سياسياتها، لأنها تنبع دائماً بطريقة طبيعية من قيم الجمهورية والظروف الجغرافية».

وتلك الظروف الجغرافية، حيث يحف أميركا محيطان، لم تعزل الولايات المتحدة؛ فقد خاضت حربين كبيرتين في أوروبا خلال القرن الماضي، وكلتاهما لمنع قوة واحدة هي ألمانيا من الاستحواذ على القارة.

وقد أجبرت الإملاءات الاستراتيجية ذاتها، من وجهة نظر المؤلف، الولايات المتحدة على خوض معركتين هائلتين في منطقة آسيا والدول المطلة على المحيط الهادئ، إحداهما الحرب مع اليابان، والثانية المحاولات التي استمرت على مدار عقود لاحتواء القوة السوفييتية.

والآن، تجد الولايات المتحدة نفسها متورطة مجدداً في حملة ثالثة لمنع إحدى الدول من بسط سيطرة مُحكمة على آسيا. ويلفت «جرين» إلى أن آسيا مرهونة جزئياً بدورة صعود وهبوط النظام القائم على «المركزية الصينية». وأثناء القرنين التاسع عشر والعشرين، كان الضعف الصيني سبب زعزعة الاستقرار، إذ اندفعت قوى متنوعة للاستفادة من تراجع الصين في عهد «كينج»، وتاليتها التي مزقتها الحرب «جمهورية الصين» بقيادة «تشيانج كاي- شيك». ولكن مثلما قال «جورج مارشال»، «فالصين في الوقت الراهن لم تعد ضعيفة كما كانت، وإنما أضحى الحزم الصيني هو المهيمن في المنطقة».

وعلى رغم ذلك، عندما يصل الكتاب إلى الحديث عن الوقت الراهن، ويبدأ في تناول التحديات ذات الصلة بعالم اليوم.. يترنح! ويقرّ «جرين» بمدى صعوبة أن يضطلع شخص شارك في صنع الأحداث، بمهمة المؤرخ. ومن ثم، يؤثر غياب الموضوعية على رواية وتحليل «جرين» لبعض الأحداث المهمة.

فعلى سبيل المثال، مرّ «جرين» مرور الكرام على حادث طائرة التجسس الأميركية في أبريل عام 2001، عندما قامت طائرة تابعة للبحرية الأميركية من طراز «ئي بي-3» بالتحليق فوق منطقة بحر الصين الجنوبي، وتصادمت مع طائرة صينية. واحتجزت بكين طاقم الطائرة المكون من 24 شخصاً لمدة 11 يوماً، وجردت الطائرة من محركها الإلكتروني، ورفضت السماح لها بالخروج من الصين بقوتها.

وقد كان رد البيت الأبيض، في ظل إدارة الرئيس جورج بوش الابن، إصدار ما اعتبرته الصين اعتذاراً وعرض دفع تعويض، وبالطبع شجّع ذلك بكين على المضي قدماً في هيمنتها على المنطقة. ويرى كثير من المحللين أن الحادث مثّل بداية فترة من التقدم الصيني في المنطقة، على حساب الولايات المتحدة. وأملاً في الحفاظ على علاقات تعاون، مكّنت إدارة بوش القوة الصينية، بإظهار أن الولايات المتحدة ليست لديها خيارات كثيرة لتحديها.

ويزعم «جرين» أن بوش ظل منخرطاً في آسيا، وأشار إلى أنه كان الرئيس الوحيد الذي حضر كافة قمم منتدى «التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ»، معتبراً أنه هو أول من بادر بإبرام اتفاقيات تجارة حرة في المنطقة.

وعلى رغم ذلك، يقول «جرين» إن كثيرين شعروا بأن واشنطن كانت تحيد عن آسيا، وهو أمر لم يناقشه المؤلف في كتابه. وفي حين يتميز «بأكثر من مجرد اهتمام» بكثرة تفاصيله وتحليله المتعمق للفترة حتى رئاسة بيل كلينتون، إلا أنه يبدو مشوشاً في سنوات بوش.

وعندما يحلل «جرين» تعامل إدارة أوباما مع الصين، يشير، مثلما أقرّ كثيرون إلى أنه لم يكن وحده هو «الرئيس الهادئ»، فقد سبقه إلى ذلك اللقب «ريتشارد نيكسون»، ولكن أوباما كان أول من أعلن أن «آسيا تشكل الأولوية الكبرى للسياسة الخارجية الأميركية». وفي سنوات ولايته الأولى، كان ذلك يعني تبني سياسات لم تلقَ في نهاية المطاف قبولاً لدى بكين، ولذا، تبنى البيت الأبيض «المحبط»، حسب «جرين»، سياسة «التمحور»، والتي أعيدت صياغتها لتصبح «إعادة التوازن» لدبلوماسية ميزان القوى.

وأشار تحليل «جرين» المتعمق لأساليب أوباما في فترته الثانية تجاه الصين، إلى أن الرئيس، بتلويحه بـ«بطاقتي» اليابان والهند، عاد إلى الحنكة السياسية الأميركية التقليدية.

ويتساءل المؤلف، ملخصاً التاريخ الذي تناوله، في نهاية كتابه قائلاً: «هل الولايات المتحدة قادرة على وضع استراتيجية كبرى للتعامل مع تلك المنطقة؟». ويجيب: «إن السياسة الأميركية، على الأقل معظم الوقت، ظلت متسقة ومؤثرة ومفيدة، منذ اللحظة الأولى التي عبر فيها الأميركيون المحيط الهادئ».

وائل بدران

الكتاب: أكثر من الحيطة.. الاستراتيجية الكبرى والقوة الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ منذ 1983

المؤلف: مايكل جرين

الناشر: جامعة كولومبيا

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا