• السبت 03 محرم 1439هـ - 23 سبتمبر 2017م

حميد المنصوري

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

تصدع البنية الاجتماعية الأوروبية

تاريخ النشر: الثلاثاء 21 مارس 2017

انتشرت دراسة البنية الاجتماعية في الدول تزامناً مع نهاية الحرب الباردة، والتي جعلت «العلاقات الدولية» تهتم بدراسة الهويات والمكونات والمتغيرات والمؤثرات الاجتماعية إلى جانب اعتبار بعض القوميات والميليشيات كفاعلين من غير الدول في العلاقات الدولية. وأجد في تجربتي الخاصة في العيش بألمانيا لأكثر من ثلاث سنوات، تصديقاً لأهمية البنية الاجتماعية في أوروبا، ففي مدينة دوسلدورف مركز ولاية شمال الراين- وستفاليا «محل إقامتي»، يوجد مجتمع ياباني بالمعنى الدقيق، وهو الأكبر في أوروبا، من مدارس، سكن، وشركات، ومحال ومطاعم، وفنادق، إلى جانب المحافظة على الهوية من خلال التزاوج والاحتفالات والمرافقة في التنزه والتسوق، وهناك العديد ممن تنطبق عليهم الهويات كالمغاربة والأتراك والأكراد، ولم أجد هوية إسلامية جامعة قوية، ولقد شهدت في دوسلدورف الكثير من المظاهرات مثل الكردية في وجه التركية، حركة «بيغيدا» المعادية للإسلام مقابل من يعارضها، وعاصرت تدفق اللاجئين السوريين، وحوادث أخرى.

تعد هذه المقدمة مدخلًا لتناول تصدع البنية الاجتماعية الأوروبية عبر تناول طبيعة وأبعاد الخلافات المتكررة بين تركيا وألمانيا، وخاصة إلغاء ألمانيا فعاليات شعبية لزيارات مسؤولين أتراك إلى ألمانيا في إطار الحملة المؤيدة للاستفتاء على الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وهو خلاف وصل إلى هولندا وغيرها كالنمسا وسويسرا. ولمن يستطيع التمعن في تلك الخلافات، يجد جلها يدور حول قضايا اجتماعية متعددة وخطيرة. فواقع العلاقات التركية-الألمانية ذو صبغة تعاونية من العضوية في الحلف الأطلسي إلى التبادل التجاري الكبير، إلا أن العلاقات بين الطرفين تتأثر بالتفاعلات والتحولات الاجتماعية داخل المنظومة الاجتماعية الألمانية، فعلى سبيل المثال، اتهام تركيا لألمانيا بدعم حزب العمال الكردستاني التركي المصنف في قائمة الإرهاب، يسلط الضوء على وجود تجمع كردي في ألمانيا استطاع إيجاد دعم لقضيتهِ من مؤسسات تجارية وشخصيات بألمانيا. ومن الموضوعية القول إن تركيا تثير خلافاً آخر مع ألمانيا بصورة تغليب المصالح على الحقائق، حيث هناك إقرار من البرلمان الألماني في ما يعرف بالإبادة الأرمينية في فترة الدولة العثمانية 1915، ولطالما كانت تركيا ترفض وتُبعد عنها هذه الجريمة عبر تغليب المصالح مع الدول كالنفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، في حين ألمانيا تحترم التاريخ من حيث واقعيتهِ، أليس لنا أن نتذكر موقف ورد المستشارة «انجيلا ميركل» على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي «نتنياهو» في مؤتمر صحفي مشترك بينهما في أكتوبر 2015، عندما زعم «نتنياهو» أن النازيين لم تكن لديهم أية نية للقيام بالمحرقة ضد اليهود لولا دور الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، وكان رد المستشارة الألمانية «ميركل» أن ألمانيا مسؤولة عن مجازر المحرقة التي تعرض لها اليهود على يد النازيين، وشددت على احترام التاريخ، وميركل أيضاً تعارض سياسات الاستيطان الإسرائيلية الحالية. ومن أبعاد الخلافات التركية الألمانية الأخيرة، الصراع الثقافي والعرقي الكبيرين في ألمانيا مع بروز تيار اليمين، حيث هناك رفض ألماني لكون الإسلام جزءاً من ألمانيا، ورفض المقولة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الألماني السابق «كريستيان فولف» عام 2010 في ذكرى توحيد شطري ألمانيا، واعتبر فيها أن الإسلام جزء من ألمانيا، وتبنّتها المستشارة الألمانية «ميركل»، هذه المقولة وصفتها بعض القيادات السياسية اليمينية الألمانية «بالخطيرة»، وبدأ الرفض الشعبي يتزايد حولها، حتى وصل رفضها داخل حزب ميركل «المسيحي الديمقراطي»، أما الرئيس الألماني الحالي «يواخيم غاوك» فقد حاول تعديل مقولة سلفه بالقول:«إن المسلمين المقيمين في ألمانيا هم فقط الذين ينتمون إليها». وهذه المقولة سليمة إذا عرفنا أنها تبعد ألمانيا ومجتمعاتها المتعددة عن الصراعات في العديد من البلدان العربية والإسلامية التي يلعب فيها الدين والقومية الدور الأكبر، وإلا ستكون ألمانيا جزءاً من تلك الصراعات. وجدير بالذكر، أن ميركل تراجعت عن سياسة «الأبواب المفتوحة» أمام اللاجئين، إلى جانب المراقبة على الإسلام والمسلمين في مؤسساتهم بسبب انتشار الإرهاب في أوروبا، ومنعت أيضاً الترويج للاستفتاء التركي بلقاءات تركية سياسية في ألمانيا، كل ذلك لدواعي مواجهتها المدّ الشعبي لحركة «بيغيدا» (PEGIDA ) المعادية للإسلام، وحزب «البديل لألمانيا» اليميني الشعبوي المعارض للاتحاد الأوروبي في الانتخابات القادمة، والتأثر بالتغيرات الاجتماعية والفكرية الداخلية.

وليس من المبالغة أن التصادم بين تركيا وألمانيا يعكس صراعاً ثقافياً آخر، فوصول التصريحات من قبل الرئيس أردوغان إلى استحضار الماضي النازي لألمانيا، يعكسان أهمية الناخبين الأتراك مزدوجي الجنسية من حيث عددهم الكبير في ألمانيا، وهذا الأمر في غاية الأهمية مع بروز الشخصية القومية المتمثلة بأردوغان، علما بأن الشخصية القومية لأي دولة تمثل قاعدة أساسية وقوية من العقيدة السياسية والثقافية والقدرة على حشد طاقات الشعب والإعلام، وتضم الطموحات والتصورات والأهداف الكبيرة لقائد ما، ومعظم الدول تتقدم بتوفر الشخصية القومية مثل بوتين في روسيا. ونرى بأن أردوغان في خلافهِ مع هولندا التي عملت بما فعلت به ألمانيا حول الزيارات التركية الخاصة بالاستفتاء، قد أجج وحرك مشاعر الكراهية في المجتمعات الإسلامية في أوروبا، حيث استحضر التاريخ في اتهاماتهِ لهولندا بالنازية والفاشية وبالتورط في مجزرة سربرنيتشا «1995» التي راح ضحيتها آلاف من مسلمي البوسنة على يد القوات الصربية، وربما أيضاً يؤجج «أردوغان» الوضع في قبرص من جديد.

نخلص إلى أن الديمقراطية الغربية تعاني من قضايا اجتماعية داخلية عابرة للحدود عبر العرق والقومية والدين، كما أن إطار التعددية الثقافية يؤكد الفشل الواضح في تكامل وتماسك المجتمع/الأمة، وألمانيا مثال ساطع، علاوة على ذلك، هناك استرجاع لأحداث وقضايا تاريخية بشرية قادرة على تحريك المجتمعات نحو التصادم الديني والعرقي في أوروبا وغيرها، كما حدث بين تركيا وهولندا، وتخشى أوروبا الغربية في وقتنا المعاصر بروز الشخصيات القومية القادرة على حشد مجتمعاتها وتاريخها نحو طموحات القائد القومي، فعلى غرار بوتين يأتي أردوغان، وربما أوروبا قادمة على هذا النحو.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا