• الأحد 29 جمادى الأولى 1438هـ - 26 فبراير 2017م

عصر الغضب.. تاريخ الحاضر!

تاريخ النشر: الجمعة 17 فبراير 2017

لعله مما هو واضح للكثيرين حالياً ما يخيم من أجواء فوضى واضطراب وشك في أرجاء العالم، ومن رغبة يائسة في سحق النظام الليبرالي ربما برمته، وذلك على أمل بعيد المنال في بزوغ فجر عالم أفضل وأكثر ملاءمة، على أطلال العالم القديم. وتلك الروح يحفزها بوضوح كثير من ناخبي الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، ممن لا يمانعون في أن يتحدث ممثلهم (الرئيس الجديد) بعموميات تحمل بعض الصفات الاستعراضية والبهلوانية، وألا يمتلك أية خبرات تناسب منصبه كرئيس لأكبر دولة في العالم. وكثير من هؤلاء الناخبين أقرّوا، من دون تأنيب ضمير، أنهم أرادوا أن يصل ترامب بشخصيته «الجريئة» وغير النمطية إلى سدة السلطة، بغية إحداث نوع من الصدمة في جسم النظام التقليدي بمؤسساته وأجهزته.. لأن هذا النظام من وجهة نظرهم يستحق صدمة قوية كهذه.

وقد ألهمت هذه النزعة الاستفتاء المنظم أواخر العام الماضي حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، والذي انتهى بالموافقة على الخروج رغم تحذيرات من إمكانية حدوث أزمة مالية كبرى لبريطانيا وباقي دول الاتحاد.. وهي ذاتها النزعة التي دفعت بالشعبويين في أوروبا للاقتراب من سدة الحكم في أنحاء القارة العجوز. وفي كتابه الجديد المعنون: «عصر الغضب.. تاريخ الحاضر»، يشبِّه «بانكاج ميشرا» هذه النزعة برغبة الثأر العمياء التي تقود مراهقين مُغرّر بهم إلى الانضمام لتنظيم «داعش» الإرهابي. ويصف «ميشرا» هذا الأمر بأنه «حالة مزاجية يقف وراءها شعور هائل باقتراب نهاية العالم، بدرجة لم نشهدها من قبل».

ويبدو هذا الكتاب المهم «مستبصراً» بشأن الجذور العميقة لهذه المرحلة الملتهبة، لا سيما أن المؤلف انتهى من كتابته قبل ظهور نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية. وحقيقة الأمر أن الكتاب لا يتضمن سوى إشارات متفرقة إلى الرئيس الأميركي الجديد، لكنها إشارات تعزز على نحو غريب مصداقية تنبؤه بحدوث كارثة.

ولم يكافح «ميشرا» للبحث عن نظرية تلائم الحقائق وتفسرها، وإنما حاول بشكل كبير فهم القوى النفسية والعاطفية التي شجعت على انتشار «التعصب» في أرجاء العالم، باعتبار الأمر ظاهرة وحّدها الشعور بالإحباط والارتباك والحسد، أي الحالة الروحية التي شخصها الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» بأنها «الشعور بالظلم والغضب».. ذلك الغضب الذي يشرح «ميشرا» وجوده ويفسر كيف تتقاسمه أطراف مختلفة في أنحاء العالم.

ويقدم المؤلف كتابه باعتباره «تاريخاً للحاضر»، وفرضيته الأساسية بهذا الشأن هي أن مناطق شاسعة من العالم تقتفي أثر الماضي، وتعيش مرة أخرى نفس الصدمات والتحولات العنيفة التي صاحبت انتقال أوروبا إلى الحداثة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مسلّطاً الضوء على الشباب الواعدين في تلك الدول التي تحولت متأخرة إلى الاقتصاد الرأسمالي والفكر التنويري، خصوصاً ألمانيا وروسيا، وأفق الحرية والتحولات الثقافية التي أثارت توقعات لا يمكن إنجازها، وانتهت كما كان متوقعاً بحالة من المظلومية والغضب.

ويزعم «ميشرا» أن الغرب الذي يؤمن بأفضليته الذاتية، يخفي «بدايته الوحشية الدامية بطريقة استثنائية عند التحول إلى الحداثة الاقتصادية والسياسية، بينما يضغط بغطرسة كي تخوض بقية العالم المرحلة الصعبة ذاتها».

وينطوي «عصر الغضب» على تاريخ للماضي أكثر من الحاضر، وعندما يستنبط دروساً من الماضي ليستشهد بها حول «داعش» أو العولمة، يميل إلى الاستطراد بشأن الكاتب الروسي «فيودور دوستويفسكي» أو كمال أتاتورك قائد الحركة الوطنية التركية، بيد أن هذا الميل يبدو في بعض الأحيان مثيراً للإحباط، ذلك أن الموجة الحالية من الفوضويين والشعبويين والإرهابيين أقل تعصباً للنظريات من أسلافهم. ويبدو ذلك خللاً غريباً، لكن «ميشرا» يكتبه بأسلوب ملائم، وبحماسة وشغف، على نحو يحفز القراء على المضي قدماً في القراءة.

والشخصية المحورية في الكتاب، والتي يرى «مشيرا» أنها أفضل من تنبأ بالأزمات التي تحدث في عصرنا الحاضر، هي «جان جاك روسو»، الفيلسوف السويسري الذي يعتبر من أهم كتاب عصر التنوير. ومصدر أهميته هو كراهيته للفيلسوف الفرنسي «فولتير» الذي عاش أيضاً في عصر التنوير، واشتهر بنقده الساخر وسخريته الفلسفية دفاعاً عن الحريات المدنية.

ورسم «ميشرا» صورة «فولتير» على أنه المفكر النخبوي الأصيل، وأكثر المفكرين نذالة، إذ احتفى بالعقل باعتباره الميزة الأسمى في المجتمع، ومن ثم اعتقد أنه على المجتمع أن يكافئ الموهبة والعقول، وليس الألقاب الموروثة، رغم أن كتاباته ونموذجه الشخصي أرسى مبادئ الليبرالية التي سادت في النهاية في أوروبا.

بيد أن ذلك كله، من وجهة نظر «ميشرا»، يجعل فولتير منافقاً تاريخياً، إذ يتهمه بأنه حفّز مجتمعاً يستفيد منه المفكرون من أمثاله، على حساب الجميع. ويرى المؤلف أن «فولتير» دعا إلى التسامح، لكنه تقرب إلى المستبدين، وخصوصاً قيصر روسيا، وبرر لهم سوء أعمالهم الوحشية.

وبفضل علاقاته، عاش حياة باذخة، وجمع ثروة من المضاربات المالية، وصناعة الساعات. وصوّر المؤلف «فولتير» باعتباره الأب الروحي لـ«دافوس» و«توماس فريدمان»، وكل دعاة «الليبرالية الجديدة»، ويصفه بأنه «عضو مأجور في شبكة النخبة العالمية».

وائل بدران

الكتاب: عصر الغضب

المؤلف: بانكاج مشيرا

الناشر: فارار، ستراوس، جيروكس

تاريخ النشر: 2017

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا