• الأربعاء 03 ذي القعدة 1438هـ - 26 يوليو 2017م

د.ذِكْرُ الرحمن

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

الهند وباكستان.. نزاعات مائية

تاريخ النشر: السبت 14 يناير 2017

يبدو أن العلاقات الهندية الباكستانية المتوترة منذ عقود سوف تشهد المزيد من التصعيد، بسبب الخلاف على مصادر المياه. ويقع في صلب هذا الخلاف عدم تنفيذ «معاهدة السند للمياه»، وهي اتفاقية بين الجارتين لتقاسم المياه بقيت صامدة لنحو ستين عاماً اندلعت خلالها ثلاثة حروب بين البلدين حول كشمير. وتقضي فصول هذه المعاهدة، التي تعود لعام 1960، بأن تتحكم باكستان بثلاثة أنهار غربية هي «السند وتشيناب وجيهلم» التي تعبر باكستان من الجانب الهندي. وبموجب المعاهدة ذاتها، أعطيت الهند حقوق استغلال ثلاثة أنهار شرقية هي «بياس ورافي وستليج».

وبمجرد ظهور بوادر حول نقض المعاهدة من طرف الحكومة الهندية العام الماضي، لجأت باكستان إلى البنك الدولي الذي سبق له أن لعب دور الحَكَم في الخلافات المائية المتعلقة بتطبيق بنود المعاهدة، وطلبت منه معاينة مشروعين هنديين لتوليد الطاقة الكهربائية على نهر السند، على خلفية تردّي العلاقات بين الجارتين النوويتين. وأعلنت الهند عن رفضها لمبدأ تحكيم البنك الدولي في الموضوع، وهو ما أثار مخاوف من تقوّض الاتفاقية برمتها بعد أن صمدت ستة عقود. وأعلنت الهند عن عزمها إعادة النظر في الاتفاقية برمتها عقب الهجوم الإرهابي على القاعدة العسكرية الهندية في كشمير. واتهمت نيودلهي مقاتلين جاؤوا من باكستان بتنفيذ الهجوم، وطالبت باتخاذ إجراءات صارمة ضد الميليشيات المسلحة التي تقوم بنشاطات إرهابية داخل الأراضي الهندية. ومنذ ذلك الوقت، لم يقتصر الأمر على إلغاء اجتماعات كانت مقررة بين مسؤولين كبار للبلدين لاستئناف محادثات السلام، بل إن التراشق المتبادل بنيران المدفعية احتدم عبر الحدود المشتركة، ما أدى إلى زيادة التوتر بينهما.

وعقب الهجوم على القاعدة التابعة للقوات الجوية الهندية في البنجاب على الحدود الهندية-الباكستانية، كشف رئيس الوزراء الهندي عن سياسة هجومية أكثر عنفاً على باكستان تخوّل الجيش الهندي بتنفيذ «ضربات عسكرية جراحية» عبر الحدود، حتى الوصول إلى مناطق اختباء الإرهابيين في عمق باكستان. وليس من العسير تفهّم السبب الذي دفع برئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» لتبنّي سياسة استعراض العضلات بأكثر مما مضى. فهو على وشك خوض انتخابات حاسمة في عدد من أكبر الولايات الهندية وأكثرها أهمية من الناحية السياسية. وكان قد أتى إلى السلطة بوعود إلى الرأي العام الهندي بتبني موقف متشدد ضد باكستان، التي كانت وراء عدد لا يحصى من الهجمات الإرهابية ضد أهداف هندية في الماضي بما فيها الهجمات المرعبة على المدنيين في بومباي. ومن ثمّ، ومن أجل استرضاء قاعدته الانتخابية، كان لا بد له من اتباع الخطّ المتشدد مع باكستان. ولقد منحته الهجمات الإرهابية الأخيرة التي تعرضت لها الهند الفرصة لوقف كل المساعي الهادفة إلى إطلاق محادثات دبلوماسية بين البلدين.

وتزداد المخاوف في الهند من بوادر نشوب حرب مع باكستان بعد أن شهدت العلاقات بين البلدين تردّياً سريعاً. وكانت الضربات العسكرية الجراحية متبوعة بمحاولات دبلوماسية هندية لعزل باكستان واتباع سياسة الخط المتشدد في قضايا أخرى، بما فيها إعادة النظر باتفاقية مياه السند، من أجل تسليط المزيد من الضغوط على إسلام آباد. واتخذ رئيس الوزراء الهندي أيضاً قراراً بتشكيل فريق عمل لاستكمال التفاصيل المتعلقة بتنفيذ مشاريع مائية هندية تهدف إلى بناء مجموعة سدود تستخدم بشكل كامل في زيادة استغلال طاقة التخزين المائية والرفع من القدرة على استغلال مياه أنهار «السند وتشيناب وجيهلم» لتوليد الكهرباء.

وكثيراً ما كانت المشاركة في المياه قضية حساسة في العلاقات بين الصين والهند وباكستان، بسبب كثرة الأنهار العابرة للحدود المشتركة بين الدول الثلاث. وكانت معاهدة السند للمياه قد حققت نجاحها المنشود منذ زمن بعيد، وذلك لأنها تمكنت من الصمود على الرغم من الحروب الثلاث التي نشبت بين الهند وباكستان بسبب قضية كشمير. وأما الآن، وبعد إعلان الهند عن عزمها بناء السدود الثلاثة على الأنهار التي تتدفق إلى باكستان بعد مرورها في الأراضي الهندية، اعترضت باكستان على هذا الإجراء باعتباره يشكل انتهاكاً للمعاهدة المعقودة بين البلدين، وطلبت من البنك الدولي التحكيم باعتباره الطرف المكلف بالفصل في الموضوع. وسارعت الهند من جانبها إلى نفي اتهام باكستان لها بانتهاك نصوص المعاهدة بحجة أنها لا تنوي تغيير طاقة تدفق المياه إلى باكستان، بل إن الأمر يقتصر على بناء محطات لتوليد الطاقة على الأنهار المذكورة، وهو من الأمور التي تجيزها المعاهدة. وتسمح المعاهدة للهند بالاستخدام غير الاستهلاكي لمياه الأنهار الثلاثة التي تنبع من حوض السند.

وحاولت باكستان بدورها تحكيم الولايات المتحدة في الموضوع إلا أن واشنطن رفضت التدخل بدعوى إمكان التوصل إلى حل ثنائي، ونصحت الجارتين باتباع الأساليب السلمية في حل المشكلة. وبما أن عشرات الملايين من الباكستانيين يعتمدون على مياه الأنهار التي تتدفق من الجانب الهندي، فإن الموضوع يزيد الوضع تعقيداً بين البلدين ويُنذر بأن يلعب دور نقطة الاشتعال الخطيرة بينهما. ومن أجل تجنب أي صراع مسلح يمكنه أن يدمر الطموحات الهندية لأن تصبح الهند قوة اقتصادية عالمية، فضلاً عما ستسببه من أضرار لباكستان، فإن من المهم بالنسبة للبلدين السعي لحل المشكلة حبّياً، وتجنب المزيد من التردي للعلاقات المتوترة أصلاً بينهما.

د.ذِكْرُ الرحمن*

*مدير مركز الدراسات الإسلامية -نيودلهي

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا