• الثلاثاء 30 غرة جمادى الآخرة 1438هـ - 28 فبراير 2017م
  11:24     السلطات الألمانية تحظر مسجد "فصلت" في برلين         11:37     العفو الدولية تنتقد حبس مراسل صحيفة ألمانية في تركيا         11:44    أستراليا تعتقل مواطنا حاول مساعدة «داعش» في تطوير صواريخ عالية التكنولوجيا        11:44    مئات الإسرائيليين يرفضون هدم منازل مستوطنين في الضفة الغربية المحتلة         11:45    توجيه الاتهام رسميا بالفساد إلى وريث سامسونغ     

د. أكمل عبد الحكيم

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

التدهور البيئي: ثمن إنساني فادح

تاريخ النشر: الخميس 12 يناير 2017

لسنوات وعقود عديدة، انتهجت الغالبية العظمى من الحكومات حول العالم، سياسة هادفة لتوفير المزيد من مصادر وأشكال الطاقة، لسد احتياجات شعوبها ومجتمعاتها، وكمصدر أساسي وضروري لحث وتحفيز النمو والتطور الاقتصاديين. إلا أن هذا المنطق، الذي التزم الجميع تقريباً باتباعه، حمل معه ثمناً لم يوضع في الحسابات منذ البداية، ألا وهو التلوث الهوائي الناتج عن إنتاج واستهلاك مصادر الطاقة تلك، والذي يعتبر مسؤولاً بشكل مباشر عن الإصابة بأمراض القلب والشرايين، وأمراض الرئتين، وبعض أنواع الأمراض السرطانية، ولدرجة أن أصابع الاتهام توجه حالياً للتلوث الهوائي بالمسؤولية عن قرابة 6,5 مليون وفاة سنوياً. وهو ما يضع أحد المتطلبات الأساسية، والضرورية لمجرد الاستمرار في الحياة -أي تنفس الهواء- على رأس قائمة المخاطر البيئية الأشد ضرراً على صحة إنسان العصر الحالي.

ومثل هذا الوضع، وغيره من المعطيات، تجعل من اتخاذ الإجراءات والتدابير الهادفة لتنقية وتنظيف البيئة، ضرورة حتمية لا خيار بديلاً عنها. حيث تشير التقديرات إلى أنه بسبب التلوث البيئي بجميع أشكاله، ماء وهواء وتربة، يلقى 12,6 مليون شخص حتفهم سنوياً، نتيجة أمراض ناتجة عن أو مرتبطة بالمخاطر المصاحبة للتلوث البيئي، أو بسبب تبعات التغير المناخي. وهو ما يعني أن واحدة من كل أربع وفيات بين أفراد الجنس البشري حالياً، مرتبطة بشكل أو بآخر بالتلوث البيئي.

ومما يزيد الطين بلة، تواتر التوقعات التي تشير إلى أن 66 في المئة من البشر، سيقطنون مدناً كبرى وعواصم بحلول عام 2050، ضمن الظاهرة المعروفة بالتمدن أو التمدين (Urbanization)، أي هجرة حياة الريف والانتقال إلى حياة المدن. والمعروف أن بيئة المدن تتصف بمستويات أعلى من التلوث، وبالازدحام على الطرقات، وبانخفاض مستوى ومعايير السكن، وتعذر الحصول على مياه شرب نظيفة ونظم صرف صحي حديثة، وخصوصاً الأحياء والمناطق التي يقطنها المهاجرون من الريف، وباقي أفراد الطبقات الاجتماعية الفقيرة.

وبالنظر إلى حقيقة أن المخاطر البيئية على صحة الإنسان، مثلها في ذلك مثل العديد من التحديات التي تواجه عالمنا حالياً، هي بطبيعتها عوامل معقدة ومتشابكة ببعضها البعض، يصبح من غير المنطقي، وغير المجدي، التعامل معها بشكل انفرادي، من خلال حلول سطحية تبسيطية قصيرة المدى. وهو ما يجعل من الاتفاق الإطاري المعروف بأجندة 2030 للتنمية المستدامة، والذي تم تبنيه واعتماده من جميع دول العالم، حجر الأساس في أية جهود ساعية لخفض التبعات الصحية السلبية للتلوث البيئي. فهذا الاتفاق، والذي يعد أول خطة دولية للتنمية من نوعها، يمنحنا فرصة فريدة لتنسيق وتفعيل الجهود طويلة المدى، من قبل جميع أفراد المجتمع الدولي، ولصالح جميع أفراد هذا المجتمع.

هذه الجهود قد تشمل تدابير بسيطة، مثل خفض الانبعاثات الناتجة عن السيارات، وزيادة الاستثمار في وسائل النقل العامة، وخصوصاً السكك الحديدية وخطوط المترو. وبالفعل تعهد عدد من الدول الأفريقية، مثل ساحل العاج، ونيجيريا، وغانا، وتوجو، وبنين، ببدء توفير واستخدام الوقود منخفض المحتوى من الكبريت بحلول العام الحالي، بينما تعهدت مدن مثل باريس وأثينا ومدريد بوقف تراخيص السيارات العاملة بالديزل بحلول عام 2025. وفي ظل حقيقة أن تفعيل وتطبيق الإجراءات والتدابير المعروف عنها فعاليتها وكفاءتها في خفض مستويات التلوث، يمكن أن ينقذ حياة 2,4 مليون شخص سنوياً، تصبح تكاليف ونفقات تطبيق تلك الإجراءات مجدية من الناحية الاقتصادية، بالنظر إلى عدد من ستنقذ حياتهم، وما سينتج عنها من خفض في تكاليف الرعاية الصحية للأمراض المرتبطة بالتلوث، بالإضافة إلى ما ستؤدي إليه من خفض في درجة حرارة الكوكب بمقدار نصف درجة مئوية بحلول عام 2050، حيث لا تقتصر التبعات الفادحة لتلوث الهواء على صحة الإنسان فقط، وإنما تمتد إلى مناخ الكوكب، وهو ما يعود ليؤثر سلباً هو الآخر على صحة الإنسان، في دائرة خبيثة متزايدة من الضرر المتصاعد. سبب تبعات التغير المناخي، مثل سوء التغذية، والإجهاد الحراري، وزيادة معدلات أمراض الإسهال، واتساع مدى انتشار طفيلي الملاريا. كما رجحت بعض الدراسات أن التغيرات الطفيفة في درجة الحرارة، أو في كمية سقوط الأمطار، تقترن أحياناً بزيادة ملحوظة في جرائم الاعتداء البدني، والاغتصاب، والقتل، بالإضافة إلى زيادة مماثلة في معدلات النزاعات المسلحة والصراعات العسكرية، ولذا يحذر البعض من أن في ظل التغيرات المناخية المتوقعة، يتوقع أن يصبح العالم أكثر عنفاً ودموية.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا