• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

محمد السماك

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

نهاية مهاجر بولوني إلى فلسطين

تاريخ النشر: الجمعة 02 ديسمبر 2016

جاء إلى فلسطين مهاجراً من بولونيا. كان عمره أحد عشر عاماً. وكان اسمه بيرسكي. غيّر اسمه إلى بيريس، وهو اسم أحد الطيور. هذا اليهودي المهاجر تولى رئاسة الحكومة في إسرائيل مرتين. ومات رئيساً لها. ولكن ذلك لم يكن أهم إنجازاته. فهو أبو القنبلة النووية الإسرائيلية. وهو الذي تولى إقناع فرنسا في الخمسينيات من القرن الماضي بتزويد إسرائيل بمفاعل ديمونا. لم يعترف شيمون بيريس علناً بهذه الحقيقة إلا قبل وفاته بوقت قصير. وبعد أن أصبح معروفاً أن إسرائيل تملك ترسانة نووية. كان هدفه كما كان يقول دائماً هو إقناع العرب بأنه لا يمكن «إلقاء إسرائيل في البحر».

صحيح أن بيريس لم يكن رجلاً عسكرياً على خلاف الأكثرية الساحقة من رجال السياسة في إسرائيل الذين كانت الخدمة العسكرية هي البوابة الرئيسية بالنسبة لهم لتبوّؤ المناصب السياسية والحزبية، ولكنه كان مهتماً بكيفية تحقيق تفوق عسكري إسرائيلي دائم على الدول العربية مجتمعة. وكان يعتقد أنه من خلال هذا التفوق يمكن ليّ ذراع العرب للتوقيع على معاهدات سلام مع إسرائيل.

في كل صفقات التسلح التي عقدها مع مختلف الدول (أميركا- روسيا- الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، كان يساوم على الأسعار مساومة «تاجر البندقية». فكان يعيب على حكومات هذه الدول مطالبة إسرائيل بأن تدفع ثمن الأسلحة بالكامل! وكان يقول دائماً: «أليس معيباً مطالبة دولة تعرّض شعبها للإبادة.. وتريد الدفاع عن نفسها وسط بحر من الأعداء، وليس لها دخل سوى الهبات والتبرعات، أن تدفع ثمن هذا الفائض لديكم من الأسلحة؟». لم يكن منطقه مقنعاً. ولكنه كان منطقاً ابتزازياً. وبالنتيجة كان ناجحاً.

وظف مسؤولاً يهودياً أميركياً لإقامة علاقة مع وزير خارجية ألمانيا الأسبق فرانز- جوزيف شتراوس وهو من بافاريا. وبعد جلسات متعددة، حصل منه على تعهد بزيادة المساعدات المالية الألمانية لإسرائيل، ومن ثم على تزويد إسرائيل بالغواصات وبأنواع عديدة أخرى من الأسلحة المتقدمة. اعتقد الوزير الألماني أنه بذلك يطوي صفحة «عقدة» اضطهاد اليهود في ألمانيا، ولكن هذه الصفحة لا تزال مفتوحة، ولا تزال العقدة قابلة للابتزاز حتى اليوم، أي حتى ما بعد وفاة شيمون بيريس.. ومشاركة ألمانيا رسمياً في تشييعه. ويبدو أنها ستبقى مفتوحة في كل مرة تحتاج فيها إسرائيل إلى مساعدة ما من ألمانيا، مالية كانت أو عسكرية، أو سياسية.

كان بيرسكي، أو بيريس، يتطلع إلى أن يربط اسمه بتسوية شاملة مع الدول العربية، ومع الفلسطينيين خاصة، من خلال توظيف التفوق العسكري كوسيلة دبلوماسية!

ولكن ما حدث هو أن خصومه السياسيين هم الذين قطفوا ثمار هذا الطموح. فمناحيم بيغن هو الذي وقّع على اتفاقية السلام مع الرئيس المصري أنور السادات (بعد مؤتمر كمب دايفيد) في عام 1979، وإسحاق رابين هو الذي وقّع التسوية السياسية مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في عام 1993. وعندما ورث رابين في رئاسة الحكومة في عام 1995، كانت فرصة تحقيق التسوية مع السلطة الفلسطينية قد ضاعت. يقول بيريس: «هناك أمران لا يمكن القيام بهما إلا بعيون مغلقة: الحب، والسلام.. فإذا فتحت عينيك فإنك لن تصل إلى أي مكان».

عندما أدلى بهذا القول لصحيفة «نيويورك تايمز» في عام 2013 كان يحاول تبرير دعوته إلى تجاوز بعض المواقف التي تحول دون تحقيق التسوية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وكان بذلك ينتقد أسلوب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان -ولا يزال- يشكك في النوايا الفلسطينية ويتمسك بكل صغيرة وكبيرة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل التسوية.. وتالياً إلى ضياع فرصة حل «الدولتين» الذي أجمع المجتمع الدولي عليه، والذي لاقى قبولاً من أكثرية الرأي العام داخل إسرائيل.

حصل بيريس على جائزة نوبل لسلام لم يتحقق. والاثنان اللذان شاركاه في الجائزة، ياسر عرفات وإسحاق رابين، قتلاً غيلة. عرفات بالسم الإسرائيلي -كما تبين لاحقاً- ورابين برصاص متطرف يهودي أطلقه عليه في ساحة عامة في قلب تل أبيب. ومنذ وقوع حادثتي الاغتيال، لم تقم لمساعي السلام قائمة.. وخاصة بعد إجهاض اتفاق أوسلو وتولّي نتنياهو رئاسة الحكومة. وكان شأن بيريس في ذلك شأن الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي بادر بعد منحه جائزة نوبل للسلام إلى اتخاذ قرار بزيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان.

كان بيريس يبلغ من العمر 83 عاماً عندما تولى رئاسة إسرائيل. بعد عشر سنوات في الرئاسة، مات المهاجر البولوني إلى فلسطين، ليدفن في أرض يحسده عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا