• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

محمد خلفان الصوافي

عن الكاتب

أرشيف الكاتب

واحة الكرامة

تاريخ النشر: الأربعاء 30 نوفمبر 2016

«واحة الكرامة» اسم لم يتم اختياره عبثاً، فهو يحمل في طياته دلالات ومعاني وطنية عميقة، وحين يتم إطلاقه على النصب التذكاري لشهداء دولة الإمارات، من العسكريين والمدنيين، فلا شك أنه يكتسب معاني إضافية، ويحمل رسالة ذات أبعاد مختلفة، فمن جانب يحمل رسالة تجعل أبناء الإمارات يزدادون فخراً وعزة بوطنهم، الذي يكرم أبناءه البررة الذين قدموا أرواحهم في سبيل الوطن، وهي في جانب آخر، تجعل كل من يضمر لدولة الإمارات شراً أو يفكر طويلاً ويحسب كثيراً قبل أن يقدم على أي خطوة.

وتصبح رسائل ودلالات «واحة الكرامة» أكثر وضوحاً وأشد بلاغة حينما ندرك أن الذي أطلق هذا الاسم على نصب الشهداء هو، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لأن الجميع يعرف ما يتحلى به هذا القائد من حب لوطنه وشعبه ولأمته العربية، مواقفه السياسية تشهد على ذلك، وما يتسم به من وفاء للمؤسسة العسكرية الإماراتية التي تربى فيها، ولعل الجميع ما زال يتذكر كلماته التي خاطب بها أبناءه مرشحي الكليات العسكرية منذ فترة عندما قال: «إن وجود هذه الكوكبة من أمثالكم من شباب الوطن في حياة الجندية وما تمثله من شرف وانتماء لتراب الوطن العزيز وقيادته الحكيمة أمر يبعث على الفخر والعزة والاطمئنان على مستقبل البلاد». وليس ذلك بغريب عن رجل شهد له الجميع ببعد النظر والرؤية الثاقبة في كيفية بناء الأوطان، رجل أخذ على عاتقه بناء جيل يؤمن بوطنه، مخلص له، مستعد للتضحية في سبيله في أي وقت، إيماناً منه بأن كرامة أي إنسان، من كرامة وطنه.

يوم الثلاثين من نوفمبر، سيكتسب في دولة الإمارات، من اليوم، معاني جديدة تُضاف إلى معانيه المجيدة التي أرادها له صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين خصصه ليكون يوماً للشهيد. فهذا اليوم الذي سيرتبط منذ اليوم، في أذهان الجميع بـ«واحة الكرامة»، المكان الذي سيكون فرصة لأبناء الإمارات والمقيمين على أرضها، من كل الجنسيات، لاستعادة قصص البطولة والفداء، قصص واقعية وحقيقية ليست من نسج الخيال، قصص تجسد معاني الشموخ، وشجاعة أناس سطروا ملاحم التضحية والفداء، وحملوا أرواحهم على أكفهم حين دعاهم نداء الواجب للحفاظ على الأمن الوطني والقومي، حينما استغاثهم شعب شقيق.

زيارة هذه «الواحة» أو الوقوف عندها، بل حتى مجرد المرور بجانبها أو ذكر اسمها، كل ذلك سيستنهض الهمم ويلهم أجيال المستقبل بأفكار الدفاع عن الوطن، فالشهداء، بالنسبة لكل وطني مخلص، هم «حملة القناديل» الذين يهتدى بهم، بل إنها ستكون مزاراً للذين يبحثون عن كيفية صناعة وصياغة مفاهيم وطنية لتأليف مناهج تربوية وطنية أو كتابة روايات، فهذه الواحة منذ اليوم ستغدو جزءاً من سجل هذه الدولة وتاريخها الذي تزداد صفحاته كل يوم بريقاً وإشراقاً بفضل ما يسطره فيها قادته وأبناؤه من أعمال مشهودة، باتت مثيرة للإعجاب من كل شعوب العالم.

لا أعتقد أن اختيار مكان «واحة الكرامة»، كان مصادفة، فكل شيء يشير إلى أنه أمر تمت دراسته بدقة فائقة، فهي تجاور قبر المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات وصاحب المشروع الوطني الأول لهذه الدولة، كما أن هذه الواحة تقع بالقرب من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، المؤسسة التي تمثل رمز الوطنية في الإمارات، ما يعني أن الذي يمر في تلك المنطقة من الطبيعي أن يستشعر جميع المعاني الوطنية التي تستحقها هذه الدولة. وإذا ربطنا مكان الواحة بزمان الاحتفال بيوم الشهيد، والذي تم اختياره في الثلاثين من نوفمبر، وهو اليوم الذي قدمت فيه دولة الإمارات أول شهدائها دفاعاً عن الدولة الاتحادية، وإذا ربطناه بالأيام التي تليه مباشرة، والتي تصادف احتفالات الدولة بذكرى اليوم الوطني، فستكون «الرسالة» قد بلغت أقصى ما يريد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إيصاله، للأصدقاء والأعداء، وهي أن الاستشهاد في سبيل هذه الدولة هو عيد للوطن ومفخرة لكل أبناء الإمارات!

يبقى أن أسباب الاستشهاد تنوعت، وكذلك الأماكن التي قدم فيها أبناء الإمارات أرواحهم فداء لوطنهم، فبعضهم استشهد داخل الدولة والآخر خارجها، ولكن هدفهم جميعاً كان واحداً، وهو الحفاظ على كرامة الإنسان الإماراتي والدفاع عنها، وبالتالي فإن الجملة الخالدة «الإمارات بكم تفخر» تحمل الكثير من معاني الوفاء من الدولة وأبنائها، كونهم هم رسموا الخطوط العريضة للأجيال القادمة في قيم الدفاع عن الوطن، فهم القدوة والنموذج الذي ينبغي السير على نهجه.

ذهب الذين نستذكر أفعالهم الوطنية اليوم، وتركوا لنا الراية، وهم يعلمون أن أبناء الإمارات ليسوا أقل إخلاصاً لها، وأنهم يحملون قيمة الدفاع عن الوطن بالقدر نفسه من الحماسة والاندفاع. «واحة الكرامة» صرح جديد من صروح الإمارات، وهو بأبعاده ودلالاته سيكون دون أدنى شك داعماً لمسيرة الإمارات الناجحة.

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا