• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

إدارة أوباما واستعادة الرقة

تاريخ النشر: الأربعاء 19 أكتوبر 2016

المرحلة الحاسمة في الحرب ضد تنظيم «داعش» باتت وشيكة، وبدأت معركة تحرير مدينة الموصل. هذا الأمر دفع المخططين العسكريين لتسريع الاستعدادات للعملية الأخرى في مدينة الرقة السورية، التي أعلنها التنظيم الإرهابي عاصمة له، ولكن في غمرة التحركات لحرمان «داعش» من الأراضي، لا يتم إيلاء الاهتمام الكافي لما سيحدث في اليوم الذي يلي تحرير المدينة من التنظيم.

في صفوف إدارة أوباما هناك قلق في بعض الأوساط من أن تكون وتيرة التخطيط العسكري لاستعادة الرقة تفوق وتيرة التخطيط اللازم للتحقق من عدم سقوط المدينة في فوضى جديدة أو نزاع آخر بعد تحريرها، فقد أخبرني مسؤولون من الإدارة بأنه لا يوجد مخطط متفق عليه لحكم المدينة، ولا رد إنساني شامل، ولا إجماع حول من سيقوم بتوفير الأمن للمنطقة بعد طرد الإرهابيين.

ثم إنه لا أحد يعتقد أن القوة الكردية المعروفة باسم «قوات سوريا الديموقراطية»، التي تستعد للزحف على الرقة، يمكن أن تحتل المدينة العربية بشكل سلمي. ومجموعات الثوار العرب السنة تواجه مهام كثيرة جداً تفوق حجمها عبر شمال شرق سوريا الممتد، وعلاوة على ذلك، فإن القوات التركية داخل سوريا تزيد من تعقيد الوضع أكثر، والمعركة نفسها تَعِد بأن تكون طويلة ودموية. وخلافاً للعراق، فإنه لا توجد حكومة مستضيفة يمكن التعاون معها، والقوات الخاصة الأميركية القليلة الموجودة في سوريا لا تستطيع الاقتراب من القتال الحقيقي.

ومع ذلك، فإن العديد من المسؤولين الأميركيين الكبار يرون أن الحاجة للشروع في عملية الرقة تفوق نقاطَ الضعف التي تعتري المخطط والمخاطرَ الموجودة في عدم معرفة ما سيحدث لاحقاً، ويحاجج بعضهم بأن «داعش» قد يكون بصدد إعداد هجمات إرهابية ضد الغرب داخل المدينة. وفي هذا السياق، قال مسؤول رفيع في الإدارة، طلب عدم الكشف عن هويته كشرط للحديث حول مداولات داخلية: «هناك حاجة لبدء الزحف على الرقة»، مضيفاً: «علينا أن نلاحق هؤلاء الأشخاص لأننا إذا لم نفعل، فإنهم سيضربوننا وشركاءنا على نحو دراماتيكي».

العملية ستتم على مرحلتين: مرحلة عزل لمدة غير محددة تليها مرحلة الهجوم. ويقول مسؤولون إن العملية ليست وشيكة، ولكنهم يشددون على أن المثالي هو أن تتلو عمليةَ الموصل حتى لا يستطيع زعماء الإرهابيين الفرار من العراق إلى سوريا.

وفي هذه الأثناء، تتواصل الاستعدادات على قدم وساق، حيث يقوم الجيش الأميركي بتدريب وحدات «قوات سوريا الديموقراطية» وتسليحها، وتجنيد الثوار العرب الراغبين في المشاركة، كما تبحث الإدارةُ الأميركية أيضاً إمكانية تسليح مباشر لمليشيا «وحدات حماية الشعب الكردي» من أجل العملية، على رغم الاعتراض التركي. غير أن المسؤولين الأميركيين يدركون أن ثمة حدوداً لما ينبغي أن يُسمح للجنود الأكراد بفعله حيث يقول المسؤول الرفيع في الإدارة: «إننا لن نترك وحدات حماية الشعب الكردي تدخل إلى الرقة وتسيطر عليها في هذه العملية، بل نعمل على تجنيد قوة عربية، وسيكون لدينا أكبر عدد ممكن من العرب»، مضيفاً: «إذا كنت تريد تشكيل قوة أخرى للقيام بذلك، فإن داعش سيبقى في الرقة سنتين أخريين، وبالتالي، فعليك أن تعمل بما لديك».

غير أن مسؤولي الإدارة ليسوا متفقين جميعاً على أنه ينبغي تحرير الرقة في أقرب وقت ممكن، حيث يطالب بعضهم بإبطاء الاستعدادات والانتظار إلى حين تهيؤ الظروف المواتية، نظراً لأن الانتصارات الأخيرة على «داعش» في بلدة منبج ما زالت طرية وهشة، والتوتر محتدم بين القوات التركية والقوات الكردية هناك. وإذا كانت مجموعات الثوار قد كبّدت التنظيم خسائر جسيمة، فإنها قد تكبّدتها أيضاً.

ويقول تشارلز ليستر، زميل معهد الشرق الأوسط: «داخل الإدارة، هناك من يدعو للتريث والتمهل إلى حين امتلاك قوة أكثر كفاءة لإرساء الاستقرار، وتطوير مخطط لليوم الذي يلي تحرير المدينة»، مضيفاً أن التسرع في الرقة «سيؤدي بنا إلى كارثة».

فلا بد من أن يكون ثمة فهم واضح لكم من الوقت ستبقى «قوات سوريا الديموقراطية» داخل الرقة، ومن سيحل محلها عندما تنسحب، يقول المسؤول الأميركي. كما يتعين على كل القوات المناوئة لـ«داعش» أن تجد طريقة لوضع خلافاتها جانباً ولو مؤقتاً.

وقال ليستر إن: «علينا أن نتريث في الرقة حتى نتحقق من أن كل هذه الخلافات بين الأتراك والأكراد والمعارضة و«قوات سوريا الديموقراطية» قد عرفت نوعاً من الانفراج. وأكثر من وقف القتال، ينبغي أن يكون ثمة نوع من الاتفاق هنا»، مضيفاً: «إن عواقب الخطأ في هذا الأمر يمكن أن تكون جسيمة».

والواقع أن النقاش الدائر داخل الإدارة حول عملية الرقة يُعتبر جزءاً لا يتجزأ من الانقسام العام بين من يريدون إيلاء الأولوية للقتال ضد «داعش» وتقديمه على ما سواه، ومن يعتقدون أن التنظيم لا يمكن هزيمته حقاً إلا في إطار حل شامل لسوريا. وإذا كانت لنا في التاريخ عبرة، فإنه يمكن القول إن الفوز سيكون من نصيب الفريق الذي يقول بضرورة التركيز على محاربة الإرهاب.

بيد أن الفوز في المعارك ضد الإرهابيين هو الجزء السهل. أما إرساء الاستقرار في مناطق مثل الرقة، فهو التحدي الحقيقي. وهو يتطلب أحياناً أخذ الوقت الكافي وعدم الاستعجال.

جوش روجين

محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا