• السبت 29 ذي الحجة 1437هـ - 01 أكتوبر 2016م

حروب القرن الحادي والعشرين

تاريخ النشر: الجمعة 23 سبتمبر 2016

من الكونغو إلى الصومال، ونيجيريا، ومالي، وأفريقيا الوسطى، وصولاً إلى سوريا والعراق وفلسطين وأوكرانيا، ما زال عالمنا اليوم حافلاً بالصراعات والحروب ليثبت بذلك أن نهاية الحرب الباردة لم تكن بداية لعهد جديد من السلام والاستقرار العالمي كما ظن كثيرون يوم الإعلان عن نهاية تلك المواجهة الدولية الكبرى بين المعسكرين الشرقي والغربي، التي كانت الاستقطابات على هامشها تؤدي في كثير من الأحيان إلى نشوب صراعات إقليمية كثيرة في مناطق عديدة بعيدة من العالم. وها قد مر الآن عقدان كاملان من الزمن على نهاية تلك الحرب الباردة وخريطة العالم تبدو اليوم محتقنة ومحترقة بأعداد لا نهاية لها من الحروب الداخلية والخارجية، بل زاد عدد المنخرطين في أتونها من الفاعلين من غير الدول، بقدر ما شهدت أيضاً تحولات في مفاهيم وخلفيات الحروب والصراعات نفسها على مستوى المفهوم والممارسة، وهو ما يثير من جديد أسئلة الفرق بين طبيعة وآليات حروب الأمس واليوم، أو بعبارة أخرى الفرق بين حروب القرن الحادي والعشرين وحروب القرن السابق. ولعل هذا تحديداً هو ما اشتغل عليه الفريق البحثي الذي يقوده الأكاديمي والمؤلف الفرنسي البارز برتراند بادي، والصحفي والمؤرخ المختص في الشؤون الدولية دومينيك فيدال، في الكتاب الذي أصدراه في منتصف شهر سبتمبر الجاري تحت عنوان: «الحروب الجديدة»، مع عنوان فرعي يحمل أكثر من مفتاح دال على أهداف وفرضيات العمل التي يركز عليها مؤلفوه: «فهم حروب القرن الحادي والعشرين»، وذلك للتنبيه إلى أن للحروب والنزاعات والصراعات خلال العقدين الماضيين سمات عامة مشتركة تميزها عن الحروب السابقة، وتجعلها قابلة للتصنيف وفق هذا التحقيب الزمني المحدد. ولعل مما يزيد من قيمة هذا الكتاب أن فريق إعداده بإشراف «بادي» اعتاد خلال السنوات الماضية أن يصدر تقريراً وتقديراً دولياً سنوياً عن حال العالم في كل عام، وهو ما يأتي هذا الكتاب استمراراً له، سعياً لقراءة ملامح حالة العالم اليوم.

ويقول مؤلفو الكتاب: ابتداءً إن الحروب الجديدة التي اندلع بعضها في أوروبا ليكسر بذلك وهْم وصول القارة العجوز إلى حال سلام دائم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث شهدت نزاعات ما بعد تفكك يوغسلافيا السابقة، وصولاً إلى الصراع الجاري الآن في أوكرانيا، إلا أن الغالبية العظمى من صراعات وحروب العقدين الماضيين إنما كانت دول الجنوب هي مسرحها الأساس. تماماً مثلما أن طبيعة الحروب تغيرت أيضاً بشكل جذري في هذه الدول الأخيرة بشكل خاص، حيث إن القلة من حروبها هي ما يمكن تصنيفه على أنه حروب تقليدية، أو حروب بين دول. في حين أن بقية الصراعات الأخرى هي موجهة في الأساس ضد قوام الدول ذاتها، حيث تتمرد جماعات مسلحة طائفية أو سياسية على حكومات، وينخرط فاعلون من غير الدول في النزاعات ضدها، أو فيما بينهم أحياناً، وهذا مؤشر جديد في توصيفات وتصنيفات مفاهيم الحرب. والأخطر من ذلك أن كثيراً من المجموعات المتمردة تسعى للوصول إلى الحكم، أو للسيطرة على الأراضي ووضع اليد على الموارد الطبيعية التي كان التحكم فيها من شأن الحكومات والدول فقط دون غيرها.

وفي سياق توصيف هذه الأنماط الجديدة من الصراعات غير المتماثلة، وغير التقليدية، المؤدية في كثير من الأحيان لتفكيك وتفتيت لحمة الكيانات السياسية والدول الوطنية يركز مؤلفو هذا الكتاب، الواقع في 264 صفحة، على الدور المدمر الذي تلعبه الانقسامات العرقية والطائفية الدينية في تأجيج الصراعات وتغذية النزاعات حتى داخل المجتمع أو البلد الواحد، وهو ما يعني خطورة اللعب على حبل الاستقطاب العرقي أو الطائفي، في جميع الأحوال. كما أن من مهيّجات ومؤججات هذه الصراعات الجديدة، في رأي المؤلفين، أدّت إليه العولمة المنفلتة وتغول رأس المال والانفتاح والتجارة الدولية وفق قواعد الليبرالية المتوحشة، التي زادت الأغنياء غنى والفقراء فقراً على صعيد عالمي، وهو ما زاد من مخاطر نشوب الحروب الداخلية والخارجية، صراعاً وتنازعاً على الموارد الشحيحة، وللسيطرة على السلطة والثروة، والتحكم في المجال الناظم لكل ذلك بأية طريقة. وفي معظم الحروب التي نشبت خلال العقدين الماضيين كانت هنالك في الغالب نزعة لتفكيك المؤسسات والبنيات والعلاقات الاجتماعية والسياسية القائمة، استناداً إلى حزازيات وحساسيات مستحدثة أو موروثة، وأيضاً تفاعلاً بالوكالة مع صراعات خارجية بين القوى الكبرى، القديمة أو الجديدة. ولعل النزاع الجاري في سوريا تحديداً منذ أكثر من خمسة أعوام يقدم أوضح مثال على المواصفات التي يصفها مؤلفو الكتاب لأنماط وأشكال الحروب الجديدة، حيث تحولت الأزمة بسرعة إلى حرب أهلية داخلية بين قوات النظام ومجموعات مسلحة مختلفة المسارب والمشارب، وما فتئ النزاع أن استقطب أيضاً متدخلين خارجيين كثر من دول وغير دول، ليأخذ مع مرور الوقت طابعاً طائفياً، ثم دخلت بعد ذلك بعض القوى الكبرى على خط الحرب، فصارت الأزمة السورية، بهذه الطريقة متراكبة المستويات والخلفيات، حيث إنها صراع داخلي مرير من جهة، وإقليمي خطير من جهة ثانية، ودولي كبير من جهة ثالثة أخرى، ولعل هذا مما زاد الأمور استعصاءً على الحل، وزادها جنوحاً وجموحاً في العنف والتطرف، دون أن يظهر حتى الآن أي بصيص ضوء في نهاية نفقها المرير الضرير.

حسن ولد المختار

الكتاب: الحروب الجديدة

المؤلفون: برتراند بادي ودومينيك فيدال وآخرون

تاريخ النشر: لا ديكوفرت

الناشر: 2016

   
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء